دائماً ما أشير إلى ضرورة أن نختار بين أمرين لا ثالث لهما: إما "دولة" تُدار عبر مؤسسات فاعلة، أو "لا دولة" تُدار عبر المليشيات؛ ولا مساحة بينهما يمكن الاتكاء عليها دون أن تتحول إلى منطقة رمادية تُعيد إنتاج الفوضى في صورة مؤقتة من الاستقرار الزائف.
دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول أن "فكرة الدولة"، في جوهرها، ليست مجرد كيان إداري، بل هي تعاقد أخلاقي يضمن أن يُحتكم إلى القانون لا إلى القوة، وأن تُدار الحياة العامة بمنطق المؤسسة لا بمنطق الغلبة.
وعليه؛ فإن أي واقعة تُستعاد فيها سلطة القانون، ولو جزئياً، تمثل "لحظة اختبار" حقيقية لمعنى الدولة، لا باعتبارها شعاراً سياسياً، بل باعتبارها ممارسة يومية تتجلى في إنصاف الأفراد وصون الحقوق.
ولذلك، فإن الإنجاز السريع المتمثل في إصدار حكم قضائي في واقعة مقتل زكريا عزيز "سائق الباص" في مديرية كريتر بالعاصمة المؤقتة عدن، بإدانة المتهم عبدالله أحمد عبدالله المشولي بجرائم القتل العمد، وتعاطي وحيازة مواد مخدرة بقصد التعاطي، والشروع في السرقة ومعاقبته بالإعدام قصاصاً وتعزيراً بالحق العام.
مما يُعد مؤشراً إيجابياً لا يمكن التقليل من أهميته، إذ يكشف - على نحو ما - عن قدرة كامنة في مؤسسات القضاء على العمل رغم "تعقيدات الواقع" و"ضغط الاختلالات".
غير أن قيمة هذا الإنجاز لا تكتمل إلا إذا تحوّل من "استثناء" إلى "قاعدة"، ومن واقعة معزولة إلى مسار مستدام تُحرّك فيه ملفات العدالة العالقة الكبرى والصغرى على حد سواء، ويُعاد فيه الاعتبار للضحايا الذين لا يطلبون سوى حقهم الطبيعي في الإنصاف.
فحين يتحقق العدل بوصفه وظيفة مستمرة لا حدثاً يحدث فجأة نتيجة ضغط شعبي أو سياسي، يمكن القول إن الدولة بدأت تستعيد معناها، لا كفكرة مؤجلة، بل كحقيقة قابلة للتحقق في حياة الناس.





