الخميس، 23 أبريل 2026 | الموافق ٥ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

فِي بَيْتِنَا غُرَابٌ !

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

ذات مساءٍ، أقبل حفيدي "محمد" ورفاقه وهم يمسكون بغرابٍ صغيرٍ عليل ، رفرفتْ أيديهم به برقّةٍ ممتزجةٍ بقسوة الطفولة التي لا تدرك هشاشةَ ما تمسك .

حاولتُ أن أشرحَ لمحمد أن الغرابَ طائرٌ ذكيٌ جدًّا، بل من أذكى الطيور وأكثرها دهاءً، لكنه – مع الأسف – قبيحُ المنظر، مكروهُ الصوت، نذيرُ شؤمٍ في موروثنا القديم، ولذلك لا نحبّ أن نألفه .

لكن محمدًا، ذا السنوات الثمان المورقة بالدهشة، لم يقتنع بمواعظي عن معايير الجمال المعهودة، ولا عن رمزية الحمام والسلام التي أردتُ بها صرفَه عن هذا الكائن الأسود المخيف .

رأيتُ دمعةً حرّى تتكوّر في مقلتيه، دمعةً لم تكن مجرد سائلٍ ملحيّ، بل كانت مزيجًا من خيبةٍ وشغفٍ طفوليٍّ عارم، تكابد مشقةَ الولادة من رحم براءةٍ لم تلوّثها أحكامُ الكبار بعد .
في تلك اللحظة، انكسر شيءٌ في صوتي، ووافقتُ على طلبه بأن نداويَ الغراب ونطعمه ، لكني اشترطتُ – بصوتٍ أحاول جاهدًا أن أجعله صارمًا – ألّا تطول مدة بقاء هذا الضيف الكئيب في بيتنا .

لا أخفيكم، مع مرور الأيام، بتُّ أشفق على حفيدي من شدة اهتمامه بالطائر . كان يمضي الساعات إلى جواره، يحادثه بهمسٍ لا يفهمه إلا قلبُ طفلٍ وغرابٌ جريح .

ومن فرط تعاطفي مع تلك الحميمية الغريبة التي نشأت بين الطرفين؛ بين غلامٍ يرى في السواد لونَ ليلٍ دافئ، وطائرٍ لا يرى في البشر سوى كائناتٍ عملاقةٍ مخيفة، أستأنست صرخات الطائر المزعجة: "قاق.. قاق.. قاق".

نعم، أضحت تلك النقرات الخشنة شيئًا مألوفًا في أذني، وكأنها موسيقى "راب" صاخبة، أو صوتُ احتجاجٍ قدريٍّ على صورةٍ نمطيةٍ ألصقت به ظلمًا .

وإزاء ذاك النفير المستفزّ، احتشدت الغربان في فضاء البيت ، منظرٌ مهيبٌ ومخيف؛ عشرات الأجساد السوداء تملأ أغصان الشجرة الضخمة وأطراف الجدران، كأنها كتائبُ حزنٍ متحفزة .

حاولتُ أن أثبتَ للولد صحة ما حذرته منه، وقلتُ له: "انظر يا بني، هذه جيوشهم، إنهم لا يغفرون لمن يأسر فردًا منهم" ؛ لكن محمدًا، بعناد العاشقين للأشياء المرفوضة، لم يعر أي اهتمامٍ لأهوال قطيع الغربان الذي ظننتُ أنه سيجتاح البيت لو علم أن سجينهم ما زال بيننا.

بقيتُ أسأل نفسي كل ليلة أوي فيها إلى الفراش : وبعدين يا محمد؟ الغراب تعافى تمامًا، أضحى وجوده مزعجًا ومقلقًا لنا جميعًا، بل صار عبئًا نفسيًّا لا يُحتمل .

وفي لحظة انفعالٍ محسوبة، وبينما الولد في المدرسة، قررتُ إطلاق سراحه . أمسكتُ به من موضعه – وهو عبارة عن بضعة أمتارٍ من الشجر والعشب أمام البيت – وحملتُه إلى أعلى سطح المنزل، ووضعتُه هناك عند حافة الجدار .
قلتُ في سري: لعلّ وعسى أن تأخذه الغربان في مهمةٍ بعيدة، أو أن ينفذ بجلده ويغور في ستين داهية، وينتهي هذا الفصل المزعج من حياتنا .

لكن المفاجأة التي قصمت ظهر حيلتي أنني عدتُ في المساء لأجد "حبيبَنا" ينعق في موضعه السابق وكأن شيئًا لم يكن ، عاد بنفسه إلى تلك البقعة المظللة بشجرة الرمان . صحتُ غاضبًا وفي حلقي غصّة: "يا الله، ما هذه الورطة! كيف لي أن أقنع الصغير أن الغرابَ لن يكون حمامةً أبدًا؟"

هنا أدركتُ الفارق الجوهري بيننا وبين هذا الجيل ، فهذه الأجيال الجديدة لم تشاهد مثلنا قصصَ الكرتون القديمة، وإلا كانت أدركت استحالة الأمر منذ البداية .

تذكرتُ فجأةً ذلك المشهد الطفولي المحفور في ذاكرتي؛ مشهد الغراب المسكين الذي حاول طلاء ريشه باللون الأبيض ليكون حمامةً بيضاء، فلم يسمع لنصح رفاقه الغربان، وكان مصيره مأساويًّا، فلم يعد غرابًا يأنس له السرب، ولم تصبح حمامةً ترضى به الحمام .

لقد أصبح عالقًا بين عالمين، منفيًّا من السواد ومرفوضًا من البياض، وهذه هي لعنة من يتنكر لأصله طمعًا في قبول الآخرين له بصورةٍ مزيفة .

المهم، في ذلك اليوم، بينما كان ضيفنا ينعق من مكانه المريح تظلله شجرة الرمان بزهورها الحمراء الخلابة، ومحاطًا بالماء وببقايا اللحم والسمك كأنه ملكٌ متوَّج، كانت حشود الغربان قد وفدت من ربوع أوطان الغربان .

لم يعد الأمر مجرد زياراتٍ عابرة، بل صار النقيق نشيدًا جماعيًّا مرعبًا، صمَّ أسماع الجيران، واستفزّ الكلاب حتى عوت ، وهيّج القطط حتى تقوست ظهورها، وأطلقت الدجاجُ صرخاتها المكتومة من داخل أقنانها، معلنةً عن خوفٍ فطريٍّ موروث من بطش هذا الجيش الأسود الذي يشبه الإنكشارية في زحفهم المخيف .

وعندما عدتُ ظهرًا من صلاة الجمعة، رأيتُ البيت يرتدي السوادَ حقيقةً ومجازًا . نقيق الجيش الغرباني يصمّ الآذان ويجعل الهواء ثقيلاً ، وكلما اقترب أحدٌ من موضع الضيف، انقضت عليه الغربان من كل حدبٍ وصوب .

كان نصيب حفيدي محمد عَضَّتين موجعتين؛ واحدة في يده الصغيرة، والأخرى في رقبته الغضّة ، انفجر الطفل باكيًا، بكاءً ليس فيه غضب من الألم فقط، بل غضب من الخيانة ، فقد كان يظن أنه أنقذ الغراب من الموت، فكافأه الغرابُ بجلبِ الموت إليه .

لم أحتمل بكاءه ، ولأول مرة في حياتي أشعر أنني أمام معركةٍ وجودية مع كائنٍ لا يفهم لغة الامتنان ، وفي عمليةٍ بدت لي انتحارية، غطيتُ رأسي ووجهي وسائر جسدي بطربال خيمةٍ بلاستيكي ، وأسرعتُ في ثوانٍ معدودة وخطفتُ الغراب من بين براثن الجيش الأسود .

حاولتُ لجم صوته بيدي لبرهة، فتأملتُ في عينيه السوداوين الباردتين، فلم أرَ إلا الدمامة ورائحة الموت .

في تلك اللحظة، خاطبتُه همسًا معزيًا ذاتي المثقلة:
"يا لك من كائنٍ شؤم، لقد جلبتَ البلاء لنا وللجيران ! يا لك من جاحد، ألا تتوقف لحظةً عن النقيق احترامًا للناس الذين أكرموك وصبروا عليك؟ أتدرك أنهم أعتبروك واحدٌ من طيورهم الأليفة؟ لكنك من جنسٍ جارحٍ مكار، وهيهات أن تغسلَ الطبيعةُ سوادَ الطبع كما تغسل الأمطارُ سوادَ الريش" .

في سويعات الليلة ، أخذناه في رحلةٍ بلا نقيق ، لقد لففنا منقاره بلاصقٍ ، فصمت صمتًا كونيًّا هائلاً، ربما لأول مرةٍ . سرنا بعيدًا، بعيدًا جدًّا، إلى حيث تنام الطيور على أغصانها بسلام وتزفر الأشجار أنفاسَ الليل .

هناك، حيث لا بشر ولا غربان، وضعناه على الأرض ، خلعتُ اللاصق برفقٍ متناقض مع غضبي، تركناه خلفنا وتوارينا مسرعين، حتى اختفينا في صخب المدينة وزحامها، بينما ظلّ النقيق الوهمي يسكن أذنيَّ، وكأن الطائر صار جزءًا من سمعي الأبدي .

شعرتُ بعدها أنني ولدتُ من جديد ، تخلصتُ من عبء الكائن وعبء تبرير قبحه للطفل ، رحتُ أمشي في الشارع أضحك وأبكي في آنٍ واحد . كنتُ ممتلئًا بمشاعر متناقضة؛ انتصارٌ ممزوجٌ بندمٍ خفيّ ، وكلما قابلتُ شخصًا في طريقي ، قهقهتُ ضاحكًا وأنا أردد ذلك البيت الشعري القديم الذي كان والدي يردده ساخرًا: "إذا نطقَ الغرابُ وقالَ خيرًا... فأينَ الخيرُ منْ وجهِ الغرابِ؟"

مرّت الأيام، وشفيت جراح محمد الصغيرة، لكنني لاحظتُ شيئًا مختلفًا في عينيه ، فلم يعد يسأل عن الغراب ، لكن في إحدى الليالي، بينما كنا نتأمل النجوم على سطح المنزل، نظر إليّ فجأةً وقال: "جدي، أتعرف؟ أنا أعرف أن الغراب لن يكون حمامة ، لكني تعلمتُ منه شيئًا لا تعرفه الحمائم " .
سألته بفضول: "وما هو يا بني؟"

أجاب بصوتٍ هامس : "لقد علّمني كيف تكون الوحدة ثقيلةً حتى على الأشرار ، وكيف أن الصوت العالي أحيانًا يكون مجرد خوف من أن ينساك العالم ، لقد كان يصرخ لأنه لا يجد أحدًا يشبهه" .

صمتُّ لوهلة، ثم ضممته إلى صدري ، أدركتُ حينها أنني رميتُ الغراب في العراء ، لكن روحه بقيت محلّقةً في وجدان هذا الطفل .

تلك الليلة، عرفتُ أن الأجيال الجديدة لا تريد أن تغير لون الريش لتنال القبول . إنهم يريدون فقط أن يقولوا لنا: إن الخير ليس في لون الوجه أو الريش، بل في شجاعة أن تكون مختلفًا دون أن يؤذي اختلافُك أحدًا .

وحتى لو غاب الغراب إلى الأبد، فصوته سيبقى في ذاكرة محمد ، ليس صوتًا مزعجًا، بل درسًا عميقًا عن معنى أن تحبَّ شيئًا قبيحًا في نظر الجميع، فقط لأنك رأيتَ خوفَه وهو صغير .

في تلك الليلة، بكيتُ مجددًا ، ليس لأنني تخلصتُ من الغراب، بل لأنني تخلصتُ من يقيني المطلق بأن القبح لا يخفي وراءه حكمة . صار البيت الذي يرتدي السواد في عينيَّ أكثرَ بياضًا من أي بيتٍ آخر ، لأن فيه طفلًا علم جده كيف يصغي للموسيقى في ضجيج الغربان ؟! ..