الإثنين، 4 مايو 2026 | الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
التقارير

تصاعد الاضطرابات الأمنية في اليمن يضعف الدولة ويكشف هشاشة مؤسساتها

تصاعد الاضطرابات الأمنية في اليمن يضعف الدولة ويكشف هشاشة مؤسساتها

فهمي غالب عبد الله +

شكل اختطاف سفينة نفطية من أحد السواحل اليمنية الخاضعة لسلطة مجلس القيادة الرئاسي اليمني ضربة قاسية لهيبة المجلس، إذ اعتبره مراقبون مؤشرًا واضحًا على تراجع قدرته في فرض السيطرة وحماية الممرات الحيوية. وذهب بعضهم إلى أن الحادثة لم تكن مجرد خرق أمني، بل هزّت صورة المجلس كسلطة قادرة على تمثيل الدولة وممارسة نفوذ فعلي على الأرض.

وتأتي هذه الواقعة في سياق أمني وسياسي مضطرب، حيث سبقها انسحاب أحد الألوية التابعة لـالمجلس الانتقالي الجنوبي بكامل عتاده إلى جهات غير معلومة، ما زاد من حالة الغموض والارتباك. ويعكس ذلك، بحسب محللين، واقعًا متراكمًا من الاختلالات والعنف، ويشير إلى استمرار غياب الانسجام السياسي والمجتمعي، إلى جانب ضعف حضور سلطة مركزية قادرة على ضبط المشهد.

وفي سياق متصل، مثّل اغتيال وسام قائد بعد اختطافه محطة حرجة كشفت عمق الأزمة الأمنية، حيث خلّف مقتله أثرًا واسعًا في تآكل نفوذ الدولة داخل المناطق الخاضعة للحكومة، وأعاد طرح تساؤلات حول قدرة الأجهزة الأمنية على حماية المسؤولين.

وبحسب مراقبين، فإن الحادثة عززت الانطباع بأن العاصمة المؤقتة عدن باتت غير قادرة على توفير الحد الأدنى من الحماية، في ظل تصاعد الاضطرابات والانقسامات، وارتباط عدد من التشكيلات الأمنية والعسكرية بولاءات متعددة.

ويرى محللون أن هذا الاضطراب لم يكن بمعزل عن التأثيرات الإقليمية، حيث انعكس على طبيعة الدور السعودي في اليمن، والذي يصفه البعض بأنه اتسم بالتراخي في بعض المراحل، في حين يشير آخرون إلى أن تدخلاته في الملفين الأمني والعسكري أسهمت في إعادة تشكيل مراكز النفوذ، بما جعل دور الحكومة والمجلس الرئاسي أقرب إلى الإطار الشكلي منه إلى سلطة تنفيذية فاعلة.

انهيار الواقع الأمني

يشير تزامن وتداخل الحوادث الأمنية إلى وجود خلل عميق في منظومة العمل الأمني، وسط دعوات متزايدة لإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بما يواكب التحديات الراهنة، ويضمن تحييدها عن التجاذبات السياسية والحزبية.

ويؤكد خبراء أن استمرار تعدد مراكز القرار داخل الأجهزة الأمنية، إلى جانب ضعف التنسيق، أسهم في تراجع الأداء، وفتح المجال أمام اختراقات خطيرة، انعكست في تصاعد عمليات الاغتيال واستهداف الشخصيات السياسية والعسكرية.
وبحسب مصادر مطلعة، فإن الجهاز الأمني لم يعد يعمل وفق معايير مهنية واضحة، بل أصبح ساحة لتداخل النفوذ، ما أضعف قدرته على القيام بمهامه، وأتاح لبعض الأطراف استغلاله لتحقيق أهداف خاصة، سواء عبر تصفية خصوم أو تمرير أجندات معينة.

كما يوجه خبراء انتقادات لعدم كشف الجهات المسؤولة عن العديد من حوادث الاغتيال، رغم الإعلان المتكرر عن ضبط خلايا متورطة، مشيرين إلى أن هذه القضايا غالبًا لا تُستكمل عبر المسارات القضائية، ما يعزز مناخ الإفلات من العقاب.

خلايا الاغتيال والغموض المستمر

تتزايد المطالب بفتح ملفات الاغتيالات التي شهدتها عدة محافظات، بينها عدن وتعز ومأرب، والكشف عن الجهات التي تقف وراءها. وتتصاعد الاتهامات بوجود تقصير أو تواطؤ من بعض الجهات في عدم كشف ملابسات هذه الجرائم، خصوصًا تلك التي استهدفت شخصيات بارزة من سياسيين وناشطين وصحفيين.
ويحذر ناشطون وحقوقيون من خطورة استمرار الغموض الذي يلف هذه القضايا، معتبرين أن ذلك يعكس حجم الاختراق الذي تعانيه الأجهزة الأمنية، ويهدد بتحولها إلى أداة لإدارة الصراع بدلًا من ضبطه.

ويستشهد كثيرون بحوادث لم تُكشف تفاصيلها حتى اليوم، مثل اغتيال القيادي العسكري عدنان الحمادي في محافظة تعز أواخر عام 2019، واغتيال العقيد محمد الجرادي مستشار وزير الدفاع في محافظة مأرب عام 2022، حيث لا تزال هذه القضايا دون نتائج حاسمة، ما يعمّق الشكوك بشأن جدية المعالجات الأمنية.

في المحصلة، تعكس هذه التطورات مشهدًا أمنيًا هشًا، تتداخل فيه العوامل المحلية والإقليمية، وسط غياب رؤية موحدة لإدارة الملف الأمني، الأمر الذي يضع مستقبل الاستقرار في اليمن أمام تحديات متزايدة.