الأربعاء، 6 مايو 2026 | الموافق ١٩ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

إعادة تدوير الفشل: حين يتم إعادة تدوير أمثال معين عبدالملك

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

ما يحدث ليس مجرد خبر عابر عن تعيين سفير جديد في مصر، بل هو عرض واضح لخلل عميق يضرب بنية القرار السياسي والإداري، ويكشف عن أزمة قيم قبل أن يكون أزمة إدارة. حين يتم تداول اسم معين عبدالملك لمنصب سفير بمجمهورية مصر بينما الأستاذ خالد بحاح لا يزال في إجازة مرضية، فإن المسألة تتجاوز الإجراءات إلى سؤال أخلاقي مباشر: أي منظومة هذه التي لا تحترم حتى الحد الأدنى من الاعتبارات الإنسانية والمؤسسية؟.

الدول لا تقاس فقط بقدرتها على تعيين المسؤولين، بل بكيفية إدارتها للانتقال بين المناصب، واحترامها لرمزية المواقع، وتقديرها لتاريخ من شغلها. السفير ليس موظفا عاديا يمكن استبداله بقرار مرتجل، بل هو واجهة دولة، وحامل لملفات حساسة، وعلاقات متراكمة. خاصة عندما يكون الشخص قد شغل مواقع سيادية كبرى، كنائب لرئيس الجمهورية وأسهم في معالجة ملفات معقدة، فإن تجاهل ذلك بهذه الطريقة يبعث برسالة سلبية: لا قيمة للخبرة، ولا اعتبار للتاريخ، ولا احترام للظروف الإنسانية..

الأخطر من ذلك هو معين عبدالملك الذي يطرح بديلا، والذي كان له سجلا إداريا فاشلا وفسادا لا يمكن تجاوزه بسهولة، فكيف يكافأ بمحاولة العودة إلى مواقع حساسة، إننا أمام معادلة مختلة بالكامل. في هذه الحالة لا يعود السؤال: لماذا يتقدم الفاشلون؟ بل: من الذي يفتح لهم الباب؟ ومن الذي يعيد تدويرهم؟ ولماذا تغلق الأبواب في وجه من أثبتوا كفاءة أو على الأقل سجلا مقبولا من الأداء؟.

المشكلة هنا ليست في شخص معين فحسب، بل في ثقافة إدارية تسمح بتآكل المعايير، فحين تغيب الشفافية، وتستبدل الكفاءة بالولاء، والمساءلة بالمجاملات، يصبح من الطبيعي أن يطمح غير المؤهلين إلى مواقع لا يستحقونها، بل يصبح من غير الطبيعي أن نرى كفاءة حقيقية تتقدم أو تمنح الفرصة..

ما يجري هو انعكاس لفوضى أعمق: غياب واضح لمفهوم المؤسسة. في الدولة التي تعمل وفق قواعد، لا يمكن تمرير قرار بهذا الحجم دون وضوح في المبررات، واحترام للتسلسل، وإعلان رسمي يشرح حيثياته. أما حين تدار الأمور بالتسريبات والتكهنات، فهذا دليل على أن القرار نفسه إما غير مكتمل، أو يفتقر للشرعية المعنوية..

القضية إذن ليست تعيين سفير من عدمه، بل طبيعة البيئة التي تصنع فيها هذه القرارات. بيئة تسمح بتجاوز الاعتبارات الأخلاقية، وتهمش الكفاءة، وتعيد إنتاج الفشل، لا يمكن أن تنتج جهازا دبلوماسيا فاعلا، ولا دولة مستقرة..

إن أخطر ما في هذا المشهد هو تطبيع هذا النوع من الاختلال. حين يتعود الناس على رؤية الفاشلين يتقدمون، والناجحين يزاحون أو يتجاهلون، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، والخلل إلى واقع مقبول. وهنا لا تكون المشكلة في قرار واحد، بل في مسار كامل يعيد تشكيل مفهوم الاستحقاق ذاته..

إصلاح هذا الوضع لا يبدأ من رفض اسم أو قبول آخر، بل من إعادة الاعتبار لمعيار بسيط وواضح: المنصب مسؤولية، لا غنيمة. ومن يملك سجلا مثل سجل معين عبدالملك، لا ينبغي أن يمنح فرصة جديدة على حساب الدولة وسمعتها ومصالحها..