لا أدري من أين أبدأ هذه السطور، ربما هي محاولة لوضع خاتمة مع نفسي أكثر كونها مشاركة اجتماعية.
من الصعب أن تكتب عن فقدان شخص أحببته، خصوصًا عندما تكون النهاية بهذه الطريقة. مشاعري مختلطة بين الحزن والغضب. غضب هائل على كل شيء، ابتداءً من وحشية الجناة وقذارة الجاني الذي استخدمهم، ووصولًا إلى كل يد مترهلة في السلطة التي قُتل تحت سمعها وبصرها.
لا إرادياً أتخيل منذ معرفتي الخبر لحظات وسام الأخيرة، مثل مشاهد حية بالصوت والصورة. مشهد الجناة وهم يسحبونه من السيارة، يصرخون في وجهه ويقذفون اللعنات. صوت الريح والتراب تحت حرارة الشمس.
أتساءل ما هي الحوارات التي دارت بينه وبين خاطفيه، ماذا كان رده لهم في البداية؟ لا أدري هل تحسنت لهجته العربية أم ما زالت مكسرة وهو يحاول أن يتحدث إليهم؟
هل ضحكوا من لهجته وسخروا منه؟
أشك أن القتلة يعرفونه أصلًا أو يعرفون شيئاً عما يقدمه لوطنه. اتصورهم مجرد مرتزقة لتنفيذ هدف سهل في قائمة مرسلة من جهة ما. هدف مثالي جداً ، شخص بسيط بلا مرافقين ولا قبيلة ولا حزب …. ولا دولة.
ماذا حدث بعد أن أخذوه في السيارة؟ هل حاول مسايرتهم طمعًا في كسب الوقت أم ماذا فعل؟ هل تحلى بالحكمة أم قتلته شجاعة حاول فيها أن يفعل شيئًا؟ لا أتوقع أنه كان خائفاً وليس بالجبان .
الجبناء يهربون مبكرًا -كما يفعل الوزراء ورئيسهم- ومن اختار البقاء على الأرض شخص لا تنقصه الشجاعة.
أتخيل كيف انتهى الحوار، مع صوت الرصاصة التي أطفأت النور من عينيه ،هل ضحكوا بعدما قتلوه؟ هل لام أحدهم الآخر أم أن هذه كانت الخطة بكل تفاهة؟
تعرفت على وسام في بداية تأسيس وكالة تنمية المنشآت الصغيرة، عندما كنا في طور تصميم الهوية الخاصة بها ،كانت محبة من أول لقاء.
لغته العربية كانت متواضعة وكنا نتواصل بالإنجليزية أول الأمر. “ما الذي عاد بك إلى هذه الخرابة؟” كنت أتساءل في نفسي كلما عرفت عنه أكثر.
كنت متأثرًا في نفس الوقت من نبل الفكرة التي يحملها ابن عائلة مهاجرة يعود لأرض لا يعرف عنها الكثير، أرض لم تعطه شيئًا ولا يربطه بها سوى حكايات. أن ينتقل إنسان محملًا بالحب والخير لآخرين لا يعرفهم، ولا يتحدث حتى لغتهم بشكل جيد. فعل من أفعال الأنبياء.
كبرت الوكالة لاحقاً وزادت مشاريعها وامتد تأثيرها من شرق اليمن إلى غربه ولامست الكثير من القطاعات، وإلى جانب كل هذا التأثير كان من أهم ما تميزت به الوكالة هو تحولها إلى مصنع للكفاءات ذكورًا وإناثاً ،جزء كبير ممن دخلوها فعلًا بقدرات متواضعة وتخرجوا منها محاربين أشداء. مصنع للكفاءات والمستفيد منه هو البلد نفسه.
شخصية وسام آسرة جدًا ولديه الكثير ليقول دائمًا، وبسهولة يمكن أن يغرقك معه لتحلم بيمن أفضل. ويا له من حلم حزين.
مع الوقت تكونت لدينا صداقة جميلة، التقينا مرارًا وتحدثنا كثيرًا. شاركت معه أحلامي، سواء الشخصية أو تلك المتعلقة باليمن، ولاحقاً يأسي من الحال وأني لم أعد أرى أي أفق قريب للنجاة، كان شاهدًا قريبًا على كثير مما مررت به في اليمن من أمل وخيبات.
عندما سقطت صنعاء في يد الميليشيا التقينا مرة أخيرة قبل أن أرحل، وما زالت كثير من مقاطع ذلك اللقاء ترن في رأسي ،تواصلنا بعدها عن بعد وشاركني قلقه بخصوص الوضع، كان متردداً فيما ينبغي فعله، إلا أنه أخبرني لاحقاً أنه حسم أمره بالبقاء. اليمن يحتاج أمثاله أكثر من أي وقت مضى بحسب كلامه.
كان المسكين يظن أن عمله في التنمية سيشفع له على اعتبار أنه بعيد عن الانتماءات السياسية، يعني بمنطق البشر العاديين لا يشكل هدفاً لأحد، بل أن المفروض هو العكس، موظف مخلص سيحافظ على دوران المكينة لآخر لحظة … لكن منطق التتار مختلف.
في عام ٢٠٢٤ حاول الحوثيون اختطافه ضمن حملة استهدفوا فيها العاملين في المجالات الإنسانية، كُتبت له النجاة وقتها واستطاع الانتقال إلى عدن. قال لي مرة بعد انتقاله إن الحال سيكون أفضل قريبًا!
عن أي حال “أفضل” كنت تتحدث يا وسام؟
حاولوا قتلك يا وسام لكننا نحن الذين مُتنا، وعشت أنت.
في وداعة الله أيها الجميل ،سأفتقدك يا وسام، وسأفتقد صوتك وابتسامتك وروحك الجميلة،سأفتقدك صديقاً ومرشداً.





