الجمعة، 8 مايو 2026 | الموافق ٢١ ذو القعدة ١٤٤٧ هـ
الرأي

التحالف الذي هزم الدولة ولم يهزم الحوثيين

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

منذ اللحظة التي قررت فيها المملكة العربية السعودية قيادة التحالف العسكري في اليمن عام ٢٠١٥، بدا وكأن الهدف المعلن هو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب ووقف تمدد النفوذ الإيراني.

لكن بعد سنوات طويلة من الحرب، لم تستعد الدولة، ولم ينته الانقلاب، ولم يتحقق الاستقرار، بل تحول اليمن إلى مساحة مفتوحة للتشظي والفقر والمليشيات والانهيار الاجتماعي. ما حدث لم يكن مجرد فشل عابر في إدارة حرب معقدة، بل كان نموذجا صارخا لكيفية تحويل بلد كامل إلى ملف أمني يدار بمنطق السيطرة لا بمنطق بناء السياسة والدولة..

أكبر خطأ ارتكبته المملكة أنها تعاملت مع اليمن منذ البداية بوصفه مشكلة حدودية وأمنية، لا بوصفه مجتمعا سياسيا حيا يمتلك حق تقرير مصيره. كانت المقاربة السعودية قائمة على فكرة إنتاج “الاستقرار” عبر هندسة الولاءات، وتمويل القوى المسلحة، وإدارة التوازنات المحلية من فوق، دون أي اهتمام حقيقي ببناء عقد سياسي جديد يعبر عن اليمنيين. ولذلك جرى إضعاف السياسة لحساب السلاح، وتهميش الأحزاب والقوى المدنية، وفتح المجال أمام اقتصاد الحرب والمليشيات كي تصبح هي الفاعل الحقيقي على الأرض..

بدلاً من الاستثمار في الدولة، استثمر التحالف في شبكات النفوذ. لم تبن مؤسسات، بل جرى تفكيك ما تبقى منها.

لم يدعم القضاء أو الإدارة أو الحكم المحلي أو الاقتصاد المنتج، بل جرى توسيع سلطة الجماعات المسلحة التي تتلقى التمويل والدعم وفق معيار الولاء لا وفق معيار الوطنية أو الكفاءة.

وهكذا تحولت الحرب من معركة يفترض أن تنتهي باستعادة الدولة إلى سوق مفتوحة للقوة والسلاح والارتزاق..

لقد كان من أخطر نتائج هذه السياسة أنها أنتجت شرعيات هشة ومتنافسة، لا تملك مشروعا وطنيا حقيقيا، ولا تستند إلى قاعدة شعبية مستقرة، بل إلى الدعم الخارجي. وهذه الشرعيات لم تمنح الوقت أو القدرة لتطوير نفسها سياسيا، لأنها بقيت مرهونة بالكامل بإرادة التحالف وحساباته.

وبدلاً من أن تكون الحكومة المعترف بها دوليا مركزا لإعادة بناء الدولة، تحولت إلى كيان ضعيف يعيش خارج الأرض التي يفترض أنه يحكمها، بينما تتوزع السلطة الفعلية بين جماعات مسلحة متناحرة..

الأكثر خطورة أن المملكة لم تدرك أن تهميش السياسة يخلق فراغا تملؤه المليشيات تلقائيا. حين يمنع المجتمع من التعبير السياسي الطبيعي، يصبح السلاح هو اللغة الوحيدة المتاحة. وحين تضعف الأحزاب والنقابات والمؤسسات المدنية، تنمو الجماعات المسلحة باعتبارها البديل الأكثر تنظيما وقدرة على فرض الوقائع.

وهذا ما حدث فعلا: تضخمت المليشيات، وتكاثرت مراكز القوة، وتحول اليمن إلى أرخبيل من السلطات المتنازعة التي يصعب تفكيكها لاحقا..

كما أن الرهان المستمر على إدارة اليمن عبر الوكلاء خلق أزمة ثقة عميقة بين اليمنيين والسعودية. كثير من اليمنيين لم يعودوا يرون في الرياض شريكا للاستقرار، بل قوة تدير البلاد وفق منظورها الأمني الضيق.

فبدلاً من دعم سيادة اليمن، جرى عمليا إعادة إنتاج التبعية، وإبقاء القرار السياسي مرهونا بالتوازنات الإقليمية. وهذا ما ولد شعورا واسعا بالإهانة السياسية، خصوصا لدى جيل كان يأمل بعد انقلاب ٢٠١٤ أن يصبح اليمنيون فاعلين حقيقيين في تقرير مصيرهم، لا مجرد أدوات في صراع إقليمي..

النتيجة النهائية لكل ذلك أن الحرب فقدت أي أفق سياسي واضح. فلا الحوثيون هزموا، ولا الدولة استعادت سلطتها، ولا المجتمع استعاد عافيته، ولا التحالف نجح في خلق نموذج مستقر للحكم. إن أخطر ما فعلته المملكة ليس فقط إطالة أمد الحرب، بل إضعاف فكرة الدولة نفسها في الوعي اليمني..