الأحد، 24 مايو 2026 | الموافق ٧ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

22 مايو .. تمجيد أجوف وتجريح أعمى !

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

كتب صديق عزيز معلقًا على تناوُلة قَبْلَ البارحة : "الضالع.. سخط من خذلان الموحِّدون" قائلًا: لم يبقَ مع الوحدة إلا أنت وصِهْري . طبعًا، ما تفضل به ليس صحيحًا، فالمبالغة عادة اعتاد عليها هؤلاء القوم ، وأَعُدّها سببًا فيما صِرْنا عليه، فأغلب تقديراتهم خاطئة ، ولا يُعتَد بها بسبب انها تقديرات عاطفية أكثر من كونها موضوعية وبناء على معلومات احصائية دقيقة وموثوقة .

والواقع أنه لم يتعرض يومٌ عظيم للتشويه والإساءة مثلما حدث لمُنْجَز الثاني والعشرين من مايو ١٩٩٠م . مدة زمنية شارفت على الأربعين عامًا ، وما زلنا غارقين في النيل منه، رغم أن عمره تجاوز عمر الدولتين السابقتين - ٢٨ عاما للدولة في الشمال و ٢٣ عاما للدولة في الجنوب - كما وهو الحدث الذي ينبغي أن يفخر به كل يمني، جنوبًا وشمالًا .

التوحُّد قيمة عظيمة إذا ما اقترن بقادة عظام، لكننا، للأسف الشديد، بدلًا من معالجة الأخطاء الكبيرة وتصحيح مسار التوحُّد، انشغلنا بقَدْح الحدث أو مدحه في ذاته، بينما هو مجرد تاريخ ، ورمزيته ودلالته كامنتان في قدرتنا على جعله مناسبة وطنية خالدة في حياتنا، وفي قدرتنا على الخلق والابتكار والتجديد لمضامين هذا الحدث التاريخي المجيد بقيمه ومكاسبه.

حَمَلَ ٢٢ مايو في جوهره الكثير من الأماني والتطلعات، لكنه – ويا للأسف – تعرض لأبشع ضرر ، مثله مثل أي حدث ثوري أو وطني ناله الضرر بسبب ممارسة سياسية غير وطنية، وغير وحدوية، وغير عادلة .

صالح والبيض في ذمة الله ، وأيًّا كان موضعهما أو فعلهما أو خلافهما، فذاك بات جزءًا من التاريخ . لا أحد منا سيبقى أسيرًا لتلك الخلافات السياسية التي أضرت بروح التوحُّد وضربته بمقتل؛ فتجسيد الوحدة بحرب شعواء أثبتت الأيام مدى هذا الخطأ الفادح . كما أن معالجة تبعات الحرب ونتائجها بفرض التجزئة يُعد أيضًا خطأً جسيمًا .

المفارقة الموجعة أن الذين رفعوا شعار الوحدة وحوّلوه إلى سيف مسلط على رقاب المخالفين، هم أنفسهم من فرّغها من جوهرها الإنساني والتعاقدي، فصارت عبئًا يُهرب منه لا حلمًا يُسعى إليه.
وبين مطرقة التمجيد الأجوف وسندان التجريح الأعمى، ضاع المعنى، وتمزقت البلاد، وتشرذم الوجدان الجمعي، ونحتاج اليوم إلى شجاعة أخلاقية تعيد تعريف الوحدة لا بوصفها إلغاءً للآخر، بل اعترافًا به، وشراكة معه، وضمانة لحقوقه.

نعم، عظمة الحدث تكمن في ما يُنجز ويتحقق لعامة اليمنيين، فدون شراكة حقيقية في السلطة والقرار والقوة وفرص العمل والاستثمار والتنمية، لا معنى للتوحُّد ولا قيمة . وهذا هو الضرر الكبير الذي أحدث شرخًا ممزقًا للنسيج الذي كان واحدًا في زمن الدولتين .

اللوم هنا لا يُوجّه لمناسبة وطنية، وإنما لقادة عبثوا بروح التوحُّد وشوّهوه وأنني أخجل من استمرار تلك الإساءات ليومٍ يُعَد أفضل حدث تاريخي في حياة اليمنيين .

وفي الحالتين، لا المدح أقام دولة واحدة يزهو بها اليمنيون، ولا القدح في المناسبة أوجد شيئًا نافعًا ، فلا ذاك القائل بأن الوحدة مقدسة ومُحصَّنة بالقرابين والدم قَدَرَ على تمثُّل قيم ومبادئ وحدوية ووطنية سامية وعادلة، ولا ذاك الذي يصف الوحدة بـ"الوحلة" قَدَرَ على تصويب تلك الأخطاء وإعادة الاعتبار ليوم مجيد بالغ في لعنه وتصويره، وتعليق كامل أخطاء الموحِّدين على كاهله .

الدرس الأعمق الذي ينبغي أن نخرج به بعد ستة وثلاثين عامًا هو أن التوحُّد ليس لحظة إعلان سياسي ولا صَكَّ اندماج بيروقراطي، وإنما هو فعل يومي مستمر، يُبنى في تفاصيل الحياة، في عدالة توزيع الموارد، في احترام الخصوصيات المحلية، في المساواة أمام القانون، وفي الإحساس المشترك بالمصير الواحد .

أي وحدة لا تحفظ للمواطن كرامته وأمنه وتمنحه خبزه ليست سوى وهم كبير، وأي مشروع انفصالي لا يعالج أسباب الألم بل يكرّسها لن يكون سوى مأساة جديدة .

خلاصة الكلام.. ٢٢ مايو سيبقى منجزًا عظيمًا لو أحسنّا تمثُّل قيمه وغاياته الوطنية الجمعية العادلة ، وعلى هذا الأساس اليمن الآن أمام مرحلة جديدة تستوجب التوحُّد والاصطفاف من أجل تصحيح أخطاء الحقبة الماضية .

وعلى الطرفين، أن يدركا حقيقة الواقع المأساوي الذي وصلنا إليه نتيجة لتلك الأخطاء الفادحة؛ فلا وحدة تتحقق بالقوة والجبروت، كما أن لا تجزئة ستتحقق بالقوة أو بالإساءة للتوحد .

في النهاية، الحدث ليس مجرد يوم عابر في رُزنامة التاريخ، بل هو مرآة تعكس حقيقتنا نحن، بكل ما فينا من نور وظلام، من سمو وانكسار ، من جمال وقبح ، من أمل وقنوط .
نعم ، إنه ليس حكرًا على المنتصرين في مأساة، ولا ملكًا لطرف دون آخر، فهو إرث مشترك، وإرث لا يصان بالدم والرصاص، وإنما بالعدل والحكمة وسعة الصدر.

قد نختلف حوله اليوم، وقد يجرح بعضنا بعضًا باسمه، لكن السؤال الجوهري الذي سيحاكمنا أمام أبنائنا وأحفادنا في الزمن القابل ليس من مدح ومن قدح؟ ولكن ماذا فعلنا لنستحق هذا اليوم فعلًا؟

إن استطعنا أن نجعل من جراح الماضي درسًا لا لعنة، ومن أحلام الأمس مشروعًا لا سرابًا، فعندئذ سيصير ٢٢ مايو ميلادًا حقيقيًا لوطن يتسع للجميع، وحينها فقط، سيكون لهذا اليوم قدسية لا تُدجَّج بالسلاح، بل تُزيَّن بالكرامة والحرية والسلام والتعايش والازدهار .