في زمن دولةٍ فاقدة للسيادة والاستقلال، يتحكم الخارج في قراراتها الكبيرة والصغيرة، يصبح الحديث عن أن فلانًا أو فلانة جدير بهذا المنصب، أو غير جدير به، حديثًا عبثيًا لا يستحق النقاش.
فالكل يدرك أن هذه المناصب ليست مناصب حقيقية، وإنما واجهات شكلية لتنفيذ ما يريده المتحكم الخارجي. ووجود شاغليها ليس إلا غطاءً يمنح المتدخل الخارجي واجهةً وشرعيةً زائفة أمام الداخل والخارج.
ولهذا، فلا أحد منهم يملك قولًا أو قرارًا أو فعلًا مستقلًا. ومن ثم، فلا ضحالة تفكير أحدهم ستضر البلاد، ولا نباهة آخر ستنفعها، لأنهم في النهاية مجرد منفذين صامتين، لا يملكون حق الاعتراض، ولا حق الاحتجاج، ولا حتى حق إبداء الرأي فيما يُملى عليهم من قرارات.
هل يعلم الناس أن شاغلي المناصب العليا في الجمهورية اليمنية ممنوع عليهم حتى الحديث عن وحدة بلدهم وسلامة أراضيها، إلا إذا سمح لهم المتحكم أو أمرهم بذلك؟ فهل هناك عار وخزي أكبر من أن يُمنع المسؤول من الدفاع عن وحدة بلده واستقلاله وسيادته؟
ولمعرفتي بهذه الحقيقة، فإنني لم أعلّق يومًا على أي تعيين أو أي إقالة، لأن هذه القضايا لا أهمية لها تُذكر، ما دامت الإرادة الوطنية نفسها مسلوبة.
وأتذكر أن أحد معارفي، ولا أقول أحد أصدقائي، عندما عُيّن رئيسًا للوزراء، أرسلت إليه رسالة خاصة، ليس لتهنئته واقول له أنت رجل المرحلة من أجل وظيفة اطمع بها أو منفعة يمكن أن يقدمها لي، وإنما راسلته لأثنيه عن قبول المنصب. ليس فقط لأن تعيينه كان مخالفًا للدستور بشكل واضح، إذ إنه عُيّن ولم يُكلَّف كما ينص الدستور، بل لأنني كنت أرى أن ذلك المنصب، في ظل تلك الظروف، لن يمكّنه من إنجاز أي شيء مفيد. فالدولة مفلسة، وفاقدة للسيادة، وتتحكم بها القوى الخارجية، ويعبث بها الصبيان في مكتب رئيس الجمهورية. وقلت له، بما معناه: كيف تقبل أن تكون واجهة لسلطة لا تملك قرارها، وأنت تعلم أنك لن تستطيع أن تقدم للدولة أي خير أو منفعة؟
نصيحتي تلك انطلقت من منظوري لمعنى المنصب العام لا من منظوره هو. فمن وجهة نظره كان ذلك المنصب، الذي لم يكن يحلم به، كنزًا هائلًا هبط عليه. فهو رصيد معنوي يمنحه لقب "رئيس وزراء" يستفيد منه طوال حياته، ويستفيد منه أبناؤه وأحفاده من بعده. كما أنه يحمل إمكانية شحن أرصدته بعشرات، وربما مئات، الملايين من الدولارات، إذا "شد حيله"، بما يكفيه ويكفي أبناءه وأحفاده، وربما من يأتي بعدهم.
أكثر ما يثير استغرابي ليس من يقبل بهذه المناصب، وإنما أولئك الذين ما زالوا يتعاملون مع مناصب هذه السلطة الهلامية وكأنها مناصب سيادية حقيقية، ويتجادلون حول شاغليها وكأنهم يملكون القرار الذي تخوله لهم تلك المراكز، بينما الحقيقة أنهم لا يملكون من أمرهم شيئًا.





