في أي دولة تحترم فكرة الوطن، لا يمكن السماح لأقلية سياسية أو مناطقية بأن تفرض رؤيتها على الأغلبية بقوة الضجيج أو خطاب الكراهية أو تعطيل مؤسسات الدولة، فالوطن ليس مزرعة خاصة، والمواطنة ليست امتيازا تمنحه جماعة لنفسها وتحجبه عن الآخرين، بل هي حق عام يتساوى فيه الجميع تحت سلطة القانون..
اليمن اليوم يواجه واحدة من أخطر الظواهر التي تهدد مستقبله، وهي صعود المشاريع القروية الضيقة التي لا تحمل في جوهرها أي أفق لبناء الدولة، بل تعيد إنتاج التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي. هذه المشاريع لا تنطلق من فكرة الوطن الجامع، وإنما من عقلية العزلة والانغلاق، ومن محاولة تحويل المجال العام إلى ملكية خاصة تتحكم بها جماعات محددة باسم الهوية أو المنطقة أو التاريخ..
وهنا يقع الخلط الكبير الذي يروج له دعاة الانفصال والتفكيك، إذ يخلطون بين الملكية الخاصة التي يملكها الفرد بحكم القانون والعقد، وبين الوطن باعتباره ملكية عامة لكل المواطنين. فمن حق أي إنسان أن يتصرف في ممتلكاته الخاصة كما يشاء ضمن حدود القانون، وأن يبني حول بيته أو أرضه الأسوار التي يريدها، لكن ليس من حق أي جماعة أن تبني أسوارا سياسية ونفسية حول وطن كامل، وأن تمنع المواطنين من حقهم الطبيعي في الانتماء إليه والتنقل والعمل والمشاركة فيه..
المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في خطاب هذه الجماعات، بل في صمت السلطة وتراخيها أمام تمددها داخل مؤسسات الدولة والمجتمع. فعندما تسمح الدولة لأقلية متطرفة بأن تتحكم بالمشهد العام، وأن تفرض خطابها الإقصائي على الأغلبية، فإنها تتخلى عمليا عن دورها كدولة. السلطة ليست مراقبا محايدا أمام العبث بالأمن الوطني، بل هي الجهة المسؤولة عن حماية النظام العام والسلم الاجتماعي وهيبة القانون..
ومن غير المقبول أن تتحول مؤسسات الدولة إلى ساحات مفتوحة لخطابات التحريض والكراهية والتمييز المناطقي أو السياسي، بينما يقف القانون عاجزا أو صامتا، فكل خطاب يدعو إلى الكراهية أو يمزق النسيج الوطني أو يحرض ضد المواطنين على أساس الهوية أو الجغرافيا، يجب أن يعامل باعتباره تهديدا مباشرا للسلم الأهلي، وأن يحال أصحابه إلى القضاء، لا أن يمنحوا مساحة أكبر للتأثير والتجنيد والتعبئة..
إن الحفاظ على الدولة لا يكون بالمجاملات السياسية ولا بالخوف من الأصوات المرتفعة، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، فالوطن ليس وجهة نظر قابلة للتفاوض، والمواطنة ليست رأيا شخصيا يحق للبعض قبوله أو رفضه. الوطن حقيقة جامعة، والدولة مسؤولة عن حماية هذه الحقيقة من مشاريع التشظي والتفكك..
واليمن، إذا أراد الخروج من دوامة الانهيار، يحتاج إلى سلطة تستعيد معنى الدولة، لا سلطة تتعايش مع الفوضى أو تترك المجال العام رهينة للأقليات المتطرفة. فحين تغيب هيبة القانون، تتقدم العصبيات، وحين تتراجع الدولة، تنمو مشاريع التخلف والانقسام، لذلك فإن المسؤولية الوطنية اليوم تقتضي موقفا واضحا وحازمة: حماية المجال العام، صون المواطنة المتساوية، وتجريم كل خطاب يحاول تحويل الوطن من بيت للجميع إلى عزلة مغلقة تحتكرها جماعة أو فئة..




