التصعيد الحالي بين السعودية والحوثيين، لا يبدو تمهيداً لحرب شاملة بقدر ما هو معركة شرسة لفرض معادلات ردع جديدة، فعندما استهدف الحوثيون السفينة السعودية لم يكن هدفهم مجرد احداث ضرر مادي، بل أرادوا توجيه رسالة واضحة تثبت قدرتهم على تهديد المصالح البحرية والرياضية وتحويل الملاحة والطاقة الى اوراق ضغط سياسية وعسكرية.
والهدف الحقيقي هنا هو رفع كلفة اي تحرك سعودي ،وايصال رسالة مفادها ان هدوء الجبهة مرتبط بامتناع الرياض عن التدخل المباشر، بالاضافة الى تأكيد حضورهم الفاعل في المواجهة الاقليمية وعدم الظهور بمظهر الطرف الذي فقد قدرته على المبادرة
في المقابل جاء الرد الجوي السعودي سريعاً وحاسماً بهدف اعادة بناء جدار الردع، ومنع تحول الهجوم البحري إلى سابقة قابلة للتكرار ،ولذلك لم تكن الضربات عشوائية بل توزعت بدقة لتطال الحديدة وعبس، ومواقع متفرقة في حجة والجوف ومارب .
والرسالة السعودية هنا تتجاوز مجرد معاقبة المنفذين، إلى اثبات القدرة على تفكيك البنية العسكرية الحوثية، في اكثر من جبهة في ان واحد.
اما اطلاق الصواريخ من منطقة مزارع الجوف فيبدو رداً ضروريا للحفاظ على الصورة السياسية للحوثيين ،حتى لا يظهروا بمظهر من تلقى الضربة دون رد، وحتى لو صحت المعلومات حول فشل صاروخ واعتراض اخرين ،فإن القيمة الفعلية لهذا الرد تبقى رمزية ونفسية بالدرجة الاولى، ومع ذلك يظل مجرد عملية الاطلاق وسيلة ذكية لاختبار مدى جاهزية الدفاعات السعودية، واجبار الرياض على ابقاء قواتها ومواردها في حالة استنفار دائم
وانطلاقا من هذه المعطيات يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية، اولها احتواء التصعيد بعد جولة محدودة من تبادل الضربات وهو السيناريو الاقرب للواقع، لأن الطرفين يملكان دوافع للرد ،لكنهما يفتقران للمصلحة في حرب مفتوحة، فالسعودية تسعى لحماية حدودها وملاحتها دون الدخول في استنزاف طويل ،والحوثيون يسعون للحفاظ على ترسانتهم العسكرية بعيداً عن حملة جوية مدمرة ،وفي هذا المسار اتوقع ان تستمر الضربات لفترة قصيرة ،ثم تتراجع تدريجيا لتتحول الى تهديدات اعلامية ومحاولات اطلاق محدودة فقط لحفظ التوازن المعنوي
والسيناريو الثاني يتحدث عن تصعيد متدرج ومحسوب، حيث قد ينتقل الحوثيون من الرد الرمزي الى استهداف منشات حدودية وموانئ وسفن اخرى ،بهدف اثبات ان الضربات لم تكسر شوكتهم ،وعندها ستوسع السعودية قائمة اهدافها لتطال منصات الاطلاق ومخازن الصواريخ ومراكز القيادة، وهذا المسار لن يتحول لحرب شاملة فوراً، لكنه سيخلق دورة متكررة من الضربات والردود تزيد من احتمال وقوع اخطاء كارثية في الحسابات ،خاصة إذا سقط قتلى داخل الاراضي السعودية او تعرضت منشات اقتصادية حيوية لاضرار جسيمة
بينما يبقى السيناريو الثالث والاقل احتمالا ،هو انفلات الامور نحو مواجهة اوسع وهذا يصبح واقعياً فقط في حال وقوع هجوم ناجح ،يسفر عن خسائر بشرية كبيرة او تعطيل للملاحة او اصابه منشاة حيوية ،وعندها لن يكون الرد السعودي مجرد رسالة عابرة بل حملة مدمرة ،تهدف لتقليص القدرة الصاروخية والبحرية الحوثية لسنوات ،وفي المقابل سيوسع الحوثيون نطاق استهدافهم باستخدام مكثف للطائرات المسيرة والصواريخ ،وقد تتداخل المواجهة مع صراعات الاقليم مما يجعل قرار التهدئة شبه مستحيل، لأن كل طرف سيطلب منه اثبات انه لم يستسلم للضغط
وفي المحصلة النهائية يرجح ان ينتهي هذا التصعيد الى تهدئة غير معلنة ،بعد تبادل محدود للضربات لأن ميزان المصالح لا يخدم اي طرف في حرب طويلة ،فالسعودية ستعمل على تثبيت معادلة تقول ان استهداف سفنها او اراضيها ،سيقابل بضربات موجعة داخل معاقل الحوثيين.
وفي المقابل سيحاول الحوثيون ترسيخ معادلة مفادها ان القصف الجوي لن يمر دون رد صاروخي، حتى لو كان محدود الفاعلية، وهذا التصعيد لن يحسم الصراع ولن يغير ميزان القوى جذريا لكنه سيعيد رسم حدود الحركة بين الطرفين، فإذا بقيت الاضرار بسيطة سيتوقف الامر عند حدود الرسائل العسكرية، أما اذا نجح هجوم حوثي لاحق في احداث خسائر فادحة فإن المواجهة ستتحول الى حملة عسكرية اوسع ،وعليه فإن النهاية الاقرب للمشهد ليست انتصاراً حاسماً ولا هزيمة نكراء، بل هي مجرد عودة الى هدوء هش يقوم اساسا على الخوف المتبادل من كلفة الانفلات الشامل





