السبت، 25 يوليو 2026 | الموافق ٩ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

هل وزارة الخارجية سيادية والإعلام ليست سيادية؟

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا أكثر هو: لماذا يتحول تعيين وزير إلى معركة وطنية، بينما يمر فشل وزارات كاملة بصمت مريب؟.

لماذا نستيقظ فجأة عندما يتعلق الأمر بوزارة الخارجية، بينما نمضي سنوات طويلة دون أن نتساءل: ماذا فعلت وزارة الإعلام؟ ماذا فعلت وزارة الثقافة؟ ماذا فعلت الحكومة التي يفترض أنها تدير معركة الدولة لا أن تراقب انهيارها؟.

نحن لا ننظر إلى الدولة باعتبارها منظومة متكاملة، بل نتعامل معها كجزر متفرقة. نحن أمام وعي متشظي. وعي يرى التفاصيل بوضوح، لكنه يفقد القدرة على رؤية الصورة كاملة!.

صدر قرار تعيين وزيرة للخارجية، فتحول الفضاء العام إلى ساحة سجال لا ينتهي. انقسم الناس بين مؤيد ومعارض، وامتلأت الصفحات بالتحليلات والتوقعات والأحكام المسبقة، وكأن مستقبل اليمن كله أصبح مرهونا بهذا القرار..

لكن أحدا لم يسأل السؤال الأهم:

أين كانت هذه الحيوية النقدية طوال السنوات الماضية؟ هل كانت وزارة الخارجية قبل هذا التعيين نموذجا للنجاح حتى أصبح الخوف عليها مشروعا؟ وهل استطاعت الدبلوماسية اليمنية أن تحقق حضورا دوليا يوازي حجم المأساة اليمنية؟ وهل كان خالد اليماني وأحمد بن مبارك على قدر من الكفاءة والإنجاز؟.

إذا كانت الإجابة بالنفي، فلماذا بدأنا بمحاكمة الوزيرة قبل أن تبدأ عملها، بينما منحنا غيرها سنوات طويلة دون مساءلة حقيقية؟.

الأمر نفسه ينطبق على وزارة الإعلام، بل ربما بصورة أكثر إيلاما. في كل دول العالم التي تخوض حروبا، يصبح الإعلام أحد أهم أسلحة الدولة. إنه ليس جهازا إداريا، بل مؤسسة تصوغ الوعي، وتحمي الرواية الوطنية، وتواجه الدعاية المضادة، وتبني الثقة بين الدولة والمجتمع، وتخاطب العالم بلغة المصالح والحقائق..

ومع ذلك، لم تتحول وزارة الإعلام في اليمن إلى موضوع للنقاش العام إلا نادرا، رغم أن أثرها كان، في أحسن الأحوال، محدودا، ورغم أن غيابها ترك فراغا فضحه ظهور ميرا وأحمد الجيشي الذي أحدث ارتباكا داخل معسكر الحوثيين أكثر مما أحدثته المؤسسة الإعلامية الرسمية طوال السنوات الماضية!.

أليست وزارة الإعلام وزارة سيادية أيضا؟

إذا كنا نصف وزارة الخارجية بأنها سيادية لأنها تدير علاقة الدولة بالعالم، فإن وزارة الإعلام تدير علاقة الدولة بمجتمعها، وتصوغ صورتها أمام الداخل والخارج، وتحمي روايتها الوطنية..

فأي السيادتين أخطر في بلد يخوض حربا وجودية؟
إن المشكلة ليست في ترتيب الوزارات، بل في ترتيب وعينا. نحن نضخم ما يثير الجدل، ونتجاهل ما يصنع الأثر. نناقش التعيينات، ولا نناقش غياب الرؤية.
وهكذا يصبح الجدل نفسه جزءا من الأزمة، لا طريقا إلى حلها..

إن الدول لا تنهار فقط بسبب الفساد، بل تنهار أيضا عندما يفقد المجتمع بوصلته النقدية، فلا أفراح الزوبة وحدها ستنقذ اليمن إن نجحت، ولا معمر الإرياني وحده سبب كل الإخفاق إن أخفق، ولا أي وزير بمفرده يصنع دولة أو يهدمها..

الدول تبنى حين تصبح المؤسسات أقوى من الأشخاص، وحين يصبح النقد أعمق من الانفعال، أما أن نستمر في الغرق في التفاصيل، بينما البناء كله يتداعى، فذلك ليس مجرد سوء تقدير، بل أحد أسباب استمرار الأزمة نفسها..