في تقييم المراحل المنهارة من تاريخ الدول، يغري الخطاب العاطفي الناس بالبحث عن “شخص واحد” يعلّقون عليه كل الكوارث، وكأن سقوط الأوطان يتم بقرار فردي أو بخيانة رجل واحد.
وهذا بالضبط ما يحدث اليوم في كثير من القراءات المتسرعة لمرحلة الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي؛ إذ يُقدَّم الرجل أحيانًا بوصفه “المتهم الوحيد” في انهيار الدولة، بينما تُمحى من المشهد شبكة هائلة من القوى التي كانت تتحكم فعليًا بمفاصل اليمن منذ عقود.
الإنصاف التاريخي لا يعني تبرئة هادي، لكنه أيضًا لا يسمح بتحويله إلى “شيطان أسطوري” يتحمل وحده نتائج تراكمات بنيوية صنعتها القبيلة، والعسكر، والأحزاب، ومراكز النفوذ، والتدخلات الخارجية، والدولة العميقة التي كانت أقوى من أي رئيس يصل إلى قصر الرئاسة.
فاليمن الذي استلمه هادي بعد أحداث 2011 لم يكن دولة مستقرة ثم جاء رجل فأضاعها، بل كان بلدًا مفككًا أصلًا، يعيش فوق برميل بارود سياسي وعسكري واجتماعي وطائفي واقتصادي.
جيش منقسم الولاءات.
قبائل تمتلك نفوذًا يفوق نفوذ الوزارات.
أحزاب تعتبر الدولة غنيمة.
مراكز قوى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية لا تعترف إلا بمصالحها.
وجماعة حوثية تتمدد بهدوء تحت غطاء صراعات النخب التقليدية، بينما الجميع يظن أنه قادر على استخدامها كورقة تكتيكية ضد خصومه.
في ذلك المشهد، لم يكن الرئيس يملك سلطة حقيقية بقدر ما كان يجلس فوق حقل ألغام.
الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون أن هادي نفسه لم يكن متحمسًا لتولي السلطة.
الرجل كان يعرف ــ بحكم تجربته الطويلة داخل النظام ــ أن الرئاسة في اليمن ليست حكمًا فعليًا بقدر ما هي محاولة يومية للبقاء وسط شبكة معقدة من التوازنات القبلية والعسكرية والإقليمية.
لقد ورث دولة منهكة، لكنها كانت في الوقت نفسه دولة مخترقة بالكامل.
ولهذا فإن تصوير سقوط صنعاء وكأنه مجرد “قرار شخصي” من هادي، هو تبسيط مخلّ لتاريخ كامل من الاختراقات والصراعات التي سبقت الرجل بسنوات طويلة.
لكن…
وهنا يجب أن يبدأ الحديث الجاد بعيدًا عن التبرئة المجانية أو الشيطنة الشعبوية:
فهم تعقيدات المشهد لا يعني إعفاء هادي من المسؤولية السياسية والأخلاقية.
نعم، لم يكن وحده من أسقط اليمن.
لكنه أيضًا لم يكن رجل الدولة القادر على إنقاذه.
المشكلة الكبرى في تجربة هادي لم تكن “الخيانة” بالمعنى المباشر الذي يردده الخطاب الغاضب، بل العجز عن التحول من رئيس توافقي مؤقت إلى قائد يمتلك مشروعًا واضحًا لإعادة بناء الدولة.
كان أمامه هامش تاريخي نادر بعد المبادرة الخليجية، وكان يمتلك شرعية داخلية ودعمًا إقليميًا ودوليًا غير مسبوق، وكان الشارع اليمني ــ رغم الانقسامات ــ مستعدًا لمنح أي فرصة حقيقية لمنع الانهيار.
وهنا تحديدًا بدأ التقصير الكبير ،فبدل أن يتحرك مبكرًا لإعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية مستقلة عن مراكز النفوذ، ظل أسير سياسة التوازنات والتسويات المؤقتة.
وبدل أن يستثمر الزخم الشعبي والدولي لإنتاج دولة جديدة، انشغل النظام بإدارة الأزمة لا بحلها ،وبدل أن يواجه تمدد الحوثيين بحزم سياسي وعسكري مبكر، تُركت الجماعة تتمدد تدريجيًا وسط صراعات القوى التقليدية التي كانت تعتقد أن بإمكانها توظيف الحوثيين ضد خصومها.
كانت تلك واحدة من أكثر اللحظات كارثية في التاريخ اليمني الحديث ،الجميع كان يناور بالجميع… حتى انهارت الطاولة فوق رؤوس الجميع.
كما أن إدارة هادي للشرعية بعد الحرب كشفت أزمة قيادة حقيقية ،فالدولة المنفية التي كان يفترض أن تتحول إلى مركز تعبئة وطنية تحولت تدريجيًا إلى بيروقراطية مترهلة، تتآكلها الصراعات الحزبية والفساد وضعف القرار.
وهنا لا يمكن إعفاء الرئيس من المسؤولية، لأنه كان رأس الشرعية، وكان مطالبًا ــ على الأقل ــ بفرض حد أدنى من الانضباط السياسي والإداري داخل المعسكر الذي يحمل اسمه.
لقد أخفق هادي في بناء مركز قرار قوي ،وأخفق في إنتاج مشروع وطني جامع ،وأخفق في فهم أن إدارة المراحل التاريخية الحرجة لا تحتمل عقلية “التأجيل” وشراء الوقت.
لكن تحميله وحده مسؤولية سقوط اليمن، يشبه محاولة تفسير انهيار مبنى ضخم عبر التركيز فقط على آخر حجر سقط منه.
فاليمن لم يسقط بسبب رجل واحد ،اليمن سقط لأن منظومة كاملة كانت تتغذى على الفوضى والانقسام والارتهان للخارج، ولأن النخب اليمنية ــ بمختلف اتجاهاتها ــ فشلت في إدراك أن لعبة تصفية الحسابات الصغيرة كانت تدفع البلد كله نحو الهاوية.
ولهذا فإن القراءة الناضجة لتجربة هادي، يجب أن تكون أكثر توازنًا: ليس بطلاً تاريخياً كما يحاول بعض أنصاره تصويره،
وليس أيضًا “الوحش الوحيد” المسؤول عن كل ما جرى.
لقد كان رئيساً ضعيفًا في لحظة كانت تحتاج رجل دولة استثنائياً،وكان جزءًا من أزمة أكبر منه بكثير، لكنه لم يمتلك القدرة ولا الجرأة الكافية لتجاوزها.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أن اليمن، في أكثر لحظاته خطورة، لم يكن يفتقر فقط إلى الإمكانات،بل كان يفتقر إلى القيادة القادرة على تحويل تلك الإمكانات إلى دولة.




