من المؤكد أنك تسمعين، منذ إعلان تعيينك، من يشكك في قدرتك على إدارة وزارة بحجم وزارة الخارجية، وفي ظرف هو الأصعب في تاريخ اليمن الحديث، ويقولون إنك لا تملكين الخبرة السياسية ولا الدبلوماسية الكافية.
ولكن قد تكون أكبر نقطة قوة لديك هي بالضبط ما يراه الآخرون أكبر نقطة ضعف.
في البداية، نصيحتي لك: لا تكتفي بالتخندق وراء كونك امرأة، وأن أخطاءك محمولة، وتقصيرك مقبول بسبب المجتمع الذكوري المسيطر، لأن هذا عذر أقبح من الذنب، ولا يتناسب مع حجم مسؤوليتك.
ولكن اجعلي من قدومك من خارج المنظومة نقطة قوة لك، لا العكس.
الوزارة تغرق في الفساد.
سعادة الوكيل الذي وجد نفسه، بين ليلة وضحاها، ثالث ثلاثة في مكتب الرئيس هادي، رحمه الله، و وجد بين يديه ختمًا أشبه بخاتم سليمان.
ورقة تُطبع في الغرفة نفسها، يهبط عليها الختم، فتخرج قرارًا جمهوريًا.
يا للدهشة!
وفي لحظات، يتحول الاسم المطبوع على الورقة إلى سفير، أو قنصل، أو ملحق، أو مستشار.
ثم يخرج له جواز أحمر، ويحمل الصفة نفسها، ويجلس على المكتب الذي منحته له الورقة.
يا للعجب!
ظلوا سنوات ينظرون إلى الختم كما ينظر الطفل إلى أول لعبة سحرية تقع بين يديه.
لم يفيقوا من دهشة قدراته، حتى تحولت المطبعة إلى قبعة ساحر لا تكف عن إخراج الأرانب.
ضاعت الجمهورية... وهم مأخوذون بسحر قدرات هذه القبعة. سقطت صنعاء، فحملوا القبعة معهم إلى عدن.
ثم ضاعت مؤسسات الدولة، فأصبح الختم فوتوشوب، والمطبعة PDF، والمكتب مجموعة واتساب.أما الأرانب، فلم تتوقف عن الخروج من القبعة.
بل حتى عندما يطبع سعادة الوكيل قرارًا لأحدهم في إحدى أهم عواصم العالم، وتحتاج هذه الشخصية إلى شخص يرافقها في مرضها، يطبع قرارًا آخر لشقيقتها لتكون في السفارة نفسها، وفي العاصمة الأهم لمصير الشعب المطحون، فقط لكي يوفر لها Babysitter بيبي ستر بقرار جمهوري، ما دامت القبعة تخرج الأرانب بسهولة!
كل هذا في أوج سنوات صراع الشعب المكلوم.
لعبة الختم والمطبعة، لم تعد فقط ممتعة ومربحة للمال، وإنما فرغت المؤسسة الحكومية من المسؤولين الذين يحترمون مناصبهم، ويقدرون المصير الذي وضع في أيديهم لشعبهم، الذي أصبحت نكبته توصف بأنها أكبر مجاعة على وجه الأرض، بحسب وصف الأمم المتحدة.
اليوم، وبعد أن مضت سنوات عديدة و ثقيلة على لعبة الختم والمطبعة، أو قبعة الساحر التي يخرج منها الأرنب بطريقة غير منطقية، ولا مفهومة، ولا مستحقة، أصبح في الختم شركاء آخرون، ولم تعد قبعة الوكيل تخرج الأرانب بالسرعة والكثافة نفسيهما.
وهذه هي المرحلة التي أنتِ فيها اليوم.
ونصيحتي لك، وبحكم أنك لستِ من أرانب القبعة، أن تعملي شيئًا يخلد تاريخك كأول وزيرة للخارجية، بأن تضعي نهاية لهذه المسرحية السمجة التي لوثت وزارتك، كما لوثت كل مؤسسات الدولة.
أنتِ لن تحققي نصراً دبلوماسيًا على الانقلابيين، ونعرف أن هذا فوق إمكانياتك، وربما فوق إمكانيات الشرعية والثمانية الرؤساء، ولكن فن الممكن يجعل بين يديك نصرًا محتملًا إذا نجوتِ أولًا من أفخاخ الفساد التي سيسهلونها لك، لكي تصبحي جزءًا من منظومتهم.
ولكنك لا تزالين شابة في أول مشوارك، وأكبر رأس مال لديك هو مسيرتك، التي تستطيعين أن تحققي فيها خطوة تاريخية بانتشال هذا الجذام، الذي يتأفف منه الجميع، ولكن لأنهم جميعًا تورطوا في مستنقع الفساد، لم يستطيعوا فعل شيء حياله.
ادخلي التاريخ بخلع الفساد، لتصبحي فخرتً لكل يمني وليس فقط النساء، ولينتهي بك المطاف رمزًا للنزاهة، والمسؤولية، والضمير الحي.
حتى لو فشلتِ في خلعهم، وقدمتِ استقالتك في خضم هذه المعركة، فستصبحين أيقونة في عصر انحطاط ضمائر المسؤولين، برغم أن نسبة نجاحك كبيرة جدًا، لأن الجذام وصل إلى مرحلة كرهه الجميع.
أو ادخلي مجموعة واتساب الفساد، لينتهي بك المطاف بتوظيف مجموعة من أقاربك وأصدقائك، ومبلغ من المال يبيضونه لك في أحد مطاعمهم، وتكوني عضوة في إحدى أقبح الجماعات التي مرت على تاريخ اليمن.
الأمر بيدك، والاختبار خيارك.
كوني بنت أروى الصليحي، وحفيدة بلقيس، أو كوني موظفة تعيسة لدى سعادته.





