الأحد، 26 يوليو 2026 | الموافق ١٠ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

الانتظار في الحروب ليس موقفاً محايد بل هزيمة بطيئة.

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"

ليست مشكلة سلطة الشرعية أنها تخسر الحرب، فالحرب ربح وخسارة. المشكلة منذ اثني عشر عاما، لم يتغير شيء تقريبا في خطابها. فما تزال تردد أن الحوثيين يقامرون بمستقبل اليمن، وأنهم سبب الحرب، وكأنها اكتشفت اليوم ما يعرفه اليمنيون منذ انقلاب الجماعة على الدولة. لا أحد يجادل في مسؤولية الحوثيين عن إسقاط مؤسسات الدولة وإشعال الحرب.

لكن السؤال الذي يرفض الخطاب الرسمي الإجابة عنه هو: وماذا بعد؟ هل تحولت إدانة الحوثيين إلى برنامج عمل؟ أم أصبحت مجرد ستار يخفي عجز السلطة عن إنتاج سياسة تقود إلى استعادة الدولة؟.

الأخطر من ذلك أن إعلام السلطة يعيش داخل فقاعة زمنية منفصلة عن الواقع. فما يزال يتعامل مع علاقة الحوثيين بإيران وكأنها اكتشاف صحفي مذهل.

بينما الحوثيون أنفسهم لم يحاولوا إخفاء هذه العلاقة يوما. لقد أعلنوا انتماءهم إلى محور المقاومة، ورفعوا شعاراته، ونسجوا علاقاتهم مع طهران علنا، بل إن الوقائع السياسية والعسكرية والدبلوماسية أكدت ذلك مرارا!.

أي إعلام هذا الذي يكرر ما يقوله خصمه عن نفسه؟ وأي وظيفة يؤديها حين يتحول إلى مكبر صوت لحقائق يعرفها الجميع؟ الإعلام الحقيقي لا يعيش على إعادة تدوير البديهيات، بل على كشف ما وراءها. أما حين تصبح البديهيات هي المادة اليومية، فهذا يعني أن الإعلام فقد وظيفته وتحول إلى جهاز تعبئة لسلطة عاجزة..

لكن الازمة لا تكمن في الخطاب وحده، بل في العقل الذي ينتجه.

فالسلطة التي تصف الحوثيين كل يوم بأنهم مشروع حرب، تبدو هي نفسها بلا مشروع لإدارة الحرب. فمنذ عام 2022، دخلت الجبهات في حالة جمود طويلة. لم تعد وزارة الدفاع تقود عمليات تغير موازين القوى، بل أصبحت معظم المواجهات دفاعا عن المواقع القائمة، وانتظارا للهجوم التالي.

وكأن المؤسسة العسكرية انتقلت من منطق المبادرة إلى منطق رد الفعل، ومن استراتيجية استعادة الدولة إلى استراتيجية المحافظة على ما تبقى منها..

وهنا تبرز المفارقة القاسية، فالسلطة تتحدث بلغة المنتصر، بينما تتصرف بعقلية من ينتظر ما سيفعله خصمه. والخطير أن الانتظار، في الحروب، ليس موقفا محايدا، بل هو شكل من أشكال الهزيمة البطيئة..

والسؤال الأكثر إلحاحا هو: هل ما تزال الشرعية تدير الحرب من أجل الوصول إلى السلام، أم أنها تدير الأزمة من أجل البقاء في السلطة؟.

فالسلام لا يولد من الفراغ، بل تفرضه موازين قوة وسياسة واضحة. أما الاكتفاء بإدارة الوقت، وانتظار المتغيرات الإقليمية، والاكتفاء بإصدار البيانات، فلن ينتج سوى حرب بلا نهاية وسلطة بلا مشروع..

ومن الضروري هنا الفصل بين الشرعية كفكرة دستورية تمثل الدولة اليمنية، وبين السلطة التي تدير هذه الشرعية. فالشرعية ليست ملكا للأشخاص، ولا امتيازا لعائلات، ولا غنيمة توزع بين المقربين. إنها ملك لكل اليمنيين، لأنها تمثل الدولة لا الحكومة، والوطن لا المسؤولين..

غير أن ما حدث خلال سنوات الحرب هو أن جزءا من السلطة تعامل مع الشرعية باعتبارها موردا سياسياً واقتصادياُ، لا مسؤولية وطنية. فتحولت المناصب إلى إرث عائلي، والنفوذ إلى شبكة مغلقة.

وأصبح الولاء للأشخاص يتقدم على الكفاءة، وتقاسمت الامتيازات دوائر ضيقة من الآباء والأبناء والأصهار، بينما بقيت الدولة نفسها غائبة عن المشهد..

وهنا تكمن المأساة الكبرى. فالحوثيون صادروا الدولة بالقوة، بينما ساهمت السلطة، بأدائها، في إفراغ فكرة الدولة من مضمونها. الأول استولى على المؤسسات، والثانية عجزت عن تقديم نموذج مختلف يجعل اليمنيين يلتفون حول مشروع الدولة..

إن أخطر ما يصيب أي سلطة ليس الفساد، ولا حتى الهزيمة العسكرية، بل أن تصاب بأن تكرار الرواية يغني عن مراجعة الواقع، وأن الخطاب قادر على تعويض غياب الإنجاز، وأن الزمن متوقف عند اللحظة التي كتبت فيها البيانات الأولى..

ولهذا، فإن الأزمة لم تعد أزمة حرب فقط، بل أزمة عقل سياسي فقد القدرة على التعلم. فالسياسة هي فن مراجعة الذات قبل مواجهة الخصم، أما حين يصبح الخصم هو التفسير الوحيد لكل الإخفاقات، فإن السلطة لا تعود تقود الدولة، بل تصبح أسيرة خطابها..

وفي النهاية، ليست المشكلة أن الشرعية تكرر سرديتها، بل أنها لم تعد تمتلك غيرها. وحين تفقد أي سلطة القدرة على إنتاج أفكار جديدة، فإنها لا تكتفي بالخروج من الواقع، بل تخرج من التاريخ أيضا، تاركة شعبا بأكمله يدفع ثمن العيش تحت سلطة تكرر الأمس، بينما المستقبل يصنع بأدوات لم تتعلم استخدامها. هذا نقد للبناء، فلا تحولوه إلى خصومة..