الإثنين، 1 يونيو 2026 | الموافق ١٥ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

نماذج فريدة وقوالب قديمة !

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

متى نتعلم من تجاربنا؟ ولماذا لا نستفيد من تجارب الآخرين؟ أزماتنا ليست عصية إلى حد فقدان الحل، فهذه الأزمات نتاج عقليات تقليدية لم تستطع التكيف مع الزمن الحاضر، إذ ما تزال مسكونة بمنطق القوة وإخضاع الآخر .

أتحدث هنا عن عقلية سياسية لم تتعلم أو تستفد من كل التجارب الماضية، هي جزء من الوقت الحاضر، لكنها مسكونة بالماضي...

لو أنها تأملت كيف تُهندس الحلول والمعالجات السياسية للأزمات الراهنة، لربما أفلحت ونجحت وتجاوزت الأزمات المتفاقمة.

خذوا مثلاً بريطانيا، كيف انضمت إلى الاتحاد الأوروبي، وكيف غادرت الاتحاد بانسيابية وبعد مفاوضات شاقة ومجهدة؟!

في عالم مفتوح على مصراعيه، لا مجال لإخفاء الأزمات أياً كانت، إنها مجرد أمراض وعلاجها لا يكون بإنكارها، وإنما بمعالجتها.

إسبانيا على الخريطة غير إسبانيا في الواقع، ففي الخريطة لديها حدود برية فقط مع البرتغال وفرنسا، فعلى حدودها البرية مع فرنسا توجد مدينة اسمها "ليفيا" داخل الأرض الفرنسية على بعد كيلومترين من الحدود، وهذه الظاهرة الغريبة اسمها الجيب أو الانكليف.

أما من جهة الغرب، فهناك حالة أكثر غرابة، إذ توجد جزيرة "طائر الفزان"، فإسبانيا وفرنسا في الزمن الماضي لم يقدروا على حل المشكلة الناتجة عن مرور حدود البلدين وسط الجزيرة، فقرروا أن يتقاسموا الجزيرة بين الدولتين .

تخيلوا ماهية الحل؟ النصف الأول من السنة تكون ملكية الجزيرة لإسبانيا، والنصف الآخر من السنة تكون لفرنسا...

وهناك كثير من المعالجات الغريبة لأزمات الدول الداخلية أو الحدودية، لكنها مع ذلك وُضع لها الحل الوسط الذي يرضي الأطراف المتنازعة.

وهناك الكثير من النماذج الغريبة التي لا تستوعبها عقولنا المتصلبة في تفكيرها وحلولها، فمثلاً دولة الفاتيكان، وهي أصغر دولة في العالم مساحةً وسكانًا، وتقع بالكامل في قلب روما العاصمة الإيطالية، إذ لا تزيد مساحتها على 0.44 كيلومتر مربع، بينما عدد سكانها أقل من ألف نسمة (880 نسمة)، غالبيتهم من رجال الدين والراهبات والدبلوماسيين وأفراد حراسة سويسريين وليس إيطاليين، وهي في المحصلة مكان ديني مقدس لطائفة مسيحية واحدة هي "الكاثوليك".

في سويسرا، توجد ثلاث مجموعات إثنية أساسية، أغلبية سكان هذه الدولة الصغيرة يتحدثون الألمانية، ويأتي بعدهم الناطقون بالفرنسية، وثالثها أقلية تتحدث الإيطالية.
تمت هندسة هذه الدولة بحيث وُزعت السلطة فيها وفق معيار الكثافة السكانية، فأغلب الكانتونات تستأثر بها الناطقون بالألمانية، ومن ثم المتحدثون بالفرنسية.

وبما أن المجموعة الإيطالية أقلية صغيرة، فقد أُعطيت كانتونة واحدة من 26 كانتونة، فأضحت أغلبية الأقلية في نطاقها الجغرافي، وهذا مفهوم جديد يؤكد مدى قدرة العقلية الغربية على معالجة المسائل الوطنية الحساسة.

أما الأغرب والأعجب، فهو أن اللغات الثلاث تُعد لغات رسمية في التعامل الإداري المحلي، ومع اعتبارها لغات قومية لأكثر من عشرة ملايين نسمة، فإن اللغة الإنجليزية الوافدة على القوم فرضت ذاتها وتسيدت الحياة والإدارة، فصارت اللغة الرسمية الأولى، بحكم الواقع الذي فرضه التطور التقني والتكنولوجي والاقتصادي.

الآن الإنجليزية أضحت اللغة الرسمية الأولى، شاء من شاء وأبى من أبى، سنة التطور فرضت على القوميات الثلاث تعلم الإنجليزية، ولا أستغرب في قابل الزمن إذا ما اعتُبرت الوحيدة وانحسرت لغات القوم بحيث تقتصر على التعاملات المحلية المحضة.

هذه مجرد نماذج عابرة، وإلا فهناك الكثير والكثير من التجارب التي يفترض بنا كعرب ويمنيين الاستفادة منها، كي لا نظل أسرى لأزمات ومشكلات بينية، وكي لا نبقى سجناء قوالب جامدة من المسميات والحلول، رغم أن دولنا لا توجد بها تلك التعقيدات الحدودية أو الإثنية أو الدينية أو اللغوية...