الثلاثاء، 2 يونيو 2026 | الموافق ١٦ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

سلطة واحدة ومسار واحد ..

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

قلتُ مرارًا إنني مع السلطة الشرعية وأدعم مسارها السياسي الذي غايته الدولة اليمنية الاتحادية الفيدرالية، سواء كانت هذه السلطة الشرعية برئاسة هادي، صاحب أبين، وفق وصف الرئيس الأسبق صالح، أو برئاسة رشاد العليمي، صاحب تعز .

لا أهتم من أين يكون رئيس الدولة أو الحكومة، بقدر ما أهتم بماهية المضامين الوطنية أو بتلك القيم والمبادئ العادلة التي تجبرني على الانحياز لهذا المسار السياسي أو ذاك .

وعليه، فهذه السلطة الشرعية ما زالت تخوض غمار عملية انتقال سياسي شاق وطويل، نجحت هنا أو تعثرت هناك ، ففي كل الأحوال الانتقال السياسي له كلفته الباهظة، فلا شيء يأتي أو يتحقق لمجرد الأمنية أو الصدفة .

للأسف، الكثيرون ينتقدون بقسوة أداء الرئاسة والحكومة، ولا لوم عليهم طالما أن وضعنا بهذه السوءة ، ولكن هؤلاء وهم يوجهون سهامهم غفلوا أنهم أيضًا شركاء في هذا الإخفاق أو الفشل ، فبسبب مواقفهم المناهضة صراحة للسلطة الشرعية كانوا قد أسهموا في إعاقة حركة هذا الانتقال ، وتسببوا في تبديد الوقت والجهد والمال في معارك ثانوية يُحسب لها إطالة أمد الحرب وسنوات هيمنة الجماعة الحوثية.

إن الخلل الكبير لا يكمن في اسم الرئيس أو محافظته، وإنما في أننا حوّلنا "الشرعية" من فكرة جامعة إلى مجرد إطار إجرائي يمنح الغطاء لصراعات بينية وفي سبيل النفوذ والسعي لتحقيق غايات مختلفة تقاطع كليًا وجزئيًا مع غاية السلطة الشرعية .

لقد أفرغنا التوافق الوطني من مضمونه عندما تعاملنا مع الشرعية كحصة انتخابية، لا كرؤية وتفويض وعقد اجتماعي ، فالنقد المشروع لأداء الحكومة لا يعني، بأي حال، التخلي عن مبدأ الدولة ، بل يعني أن الخلل في آليات التنفيذ، وفي أولئك الذين ظنوا أن الشرعية درع تحميهم من المحاسبة ، ومظلة للدعم والتسويق لهم ، وجسر لعبورهم إلى الضفة الاخرى البعيدة والمقوضة للسلطة الشرعية ، وللدولة اليمنية الجديدة ، ولعملية الانتقال السياسي برمته .

إن إخفاقنا الحقيقي هو أننا لم ننجح في تحويل الدعم السياسي إلى ممارسة يومية تعزز ثقة المواطن، وتجعل من وجود الدولة محسوسًا في لقمة العيش والأمن والعدالة، وليس في البيانات والخطابات.

شخصيًا، لا مشكلة لدي في أن دعمت الرئيس هادي ونائبه علي محسن أو العليمي وأعضاء مجلس القيادة، بل أقولها بتجرد وصدق ، فلا ثأر لي مع أحد؛ فعندما تكون الغاية واحدة، فإنه لا مناص لدي من اعتبار الإصلاحي والمؤتمري والاشتراكي والبعثي والناصري شركاء حقيقيين في جبهة استعادة الدولة .

ثمة مفارقة موجعة هنا، فأولئك الذين يصوبون سهام النقد الحاد على أداء الشرعية، محقون في تشخيصهم للفشل، لكنهم مخطئون في استنتاجاتهم .

فرفضهم المطلق للسلطة، ونعتهم لها بالفشل الكامل، لم يخلق بديلًا يُرتجى، بل صنع فراغًا ملأته المليشيات بالفكرة أو التحريض أو المواجهة المسلحة .

إن المعارضة التي تتحول إلى قطيعة وجودية مع فكرة الدولة، لا إلى أداة ضغط لإصلاح مسارها، تصبح حليفًا موضوعيًا لأعداء الدولة حتى لو لم تقصد .

علينا أن نتعلم أن إنقاذ السفينة يكون بإصلاح العطب وهي في عرض البحر ، لا بإغراقها بالشعارات الثورية أو بتأمل شاطئ وهمي لا وجود له .

الفرق بين المعارضة الوطنية والمعارضة العدمية هو أن الأولى تبني البديل داخل إطار الدولة المنشودة، والأخيرة تهدم كل الأطر تاركة الجميع في العراء.

نعم، كل شخص أو فئة أو حزب أو مكون يعد نفسه نصيرًا وداعمًا للسلطة الشرعية المعنية بتجسيد الدولة اليمنية الاتحادية بمضامينها الحديثة والعادلة المتوافق عليها في مؤتمر الحوار الوطني؛ فإن هؤلاء جميعًا شركاء، وإن اختلفت مسمياتهم أو راياتهم التنظيمية.

من الواجب أن أدعم بقوة هذا التحالف الوطني الكبير الذي هو، في كافة الحالات، تكتل وطني مناهض للجماعة الحوثية الانقلابية ، ولكل من دعمها أو تحالف معها ضدًا على عملية الانتقال السياسي .

السلطة الشرعية ليست بالأسماء ولا الألقاب ولا المناصب، وإنما هي حاملة لمشروع الدولة اليمنية الحديثة . هكذا أفهم وأستوعب معنى السلطة الشرعية، باعتبارها سلطة مؤقتة حاملة لأحلام اليمنيين في دولة المستقبل.

كما أفهم وأتعاطى مع كل من يقاوم ويناهض هذه السلطة بكونه فصيلًا معيقًا ورافضًا لعملية الانتقال السياسي في اليمن .

لطالما دعوت عيدروس الزُبيدي وأتباعه، قبل الانتقالي أو بعده، إلى الاصطفاف الجبهوي الداعم للشرعية، ودعوت طارق صالح وأنصار الرئيس الأسبق إلى دعم وإسناد هذه السلطة الشرعية.

فليس هنالك من ضغينة أو ثأر مع أي من القوى السياسية جنوبًا أو شمالًا، وعندما أقول بأنه لا ثأر لنا مع أحد فليس ترفًا أخلاقيًا، بل هو شرط استراتيجي للانتصار .

فالمهم بالنسبة لي هو انتصار خيار استعادة الدولة اليمنية ونصرة الانتقال السياسي، باعتباره بوابة المستقبل الذي ينشده كل اليمنيين الذين عانوا صنوف الظلم والقهر والتمييز والعنف والفقر وسواها، وآن لهم أن يؤسسوا دولتهم العادلة والمستقرة والمزدهرة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.

أكبر كارثة واجهت مشروع الدولة ليس الحوثي وحده، وإنما "الثأر السياسي" المتجذر فينا، فنحن نختزن غضبًا من هذا الحزب أو ذاك الزعيم أكثر مما نختزن إرادة لمواجهة المشروع الإمامي الكهنوتي .

فكيف لتحالف هش، مثقل بجراحات الماضي، أن يهزم عدوًا متماسكًا أيديولوجيًا إذا لم يغسل أعضاؤه قلوبهم من ضغائن الماضي ؟

إن تجاوز الأحقاد الشخصية والمناطقية والحزبية ليس فقط فعل تسامح ، وانما هو فعل مقاومة بحد ذاته ، إنه إعلان أن حلم الدولة اليمنية أكبر من جراحنا الفردية، وأن الهدف الأسمى ليس الانتقام من الشريك السياسي السابق، بل تحرير الإنسان اليمني من كهنوت جديد يسرق منه حاضره ومستقبله .

إن الرهان على الدولة اليمنية الاتحادية ليس رهانًا على أشخاص، بل هو رهان على فكرة إنقاذ وطن من الضياع، رهان على أن اليمني، في صنعاء أو تعز أو عدن أو مأرب، يستحق أن يستيقظ صباحًا ولا همه إلا بناء غده، لا الدفاع عن روحه من رصاص طائشة .

معركتنا ليست مع شخص اسمه فلان أو علان، بل هي مع مشروع ظلامي لا يرى في اليمني إلا رعية تابعة، ومع فوضى داخلية تجعل من صراعنا عبثيًا ومميتًا .

نعم، أخطأنا، وتعثرنا، ودفعنا دماء زكية كان يمكن أن تروي سنابل السلام والتنمية بدلًا من رمال الجبهات . ولكن، هل يعني هذا أن نرمي بفكرة الدولة في مزبلة التاريخ ونستسلم؟ كلا وألف كلا .

فالاعتراف بالخطيئة هو أقرار اصيل بالذنب ، وإدراك حجم الفشل هو الخطوة الأولى نحو الإصلاح، فلقد آن الأوان أن نستبدل سياسة "إدارة الذات" بسياسة "صياغة المصير". آن لنا أن نجعل من هذا التحالف الوطني - وعلى هشاشته - كتلة لا تقبل المساومة على الجمهورية ، ولا تتوانى عن محاسبة الفاسد داخلها قبل محاربة المغتصب من خارجها .

أنا هنا، بلا ضغينة، بلا ثأر، بلا اسم حزبي يعميني، بلا جرح قديم يكبلني ، وكلماتي هذه نابعة من احساس عميق بالألم ، الذي هو نتيجة لصراعات وثأرات قديمة جديدة كان يمكن تداركها لو ان الفرقاء وضعوا باعتبارهم المستقبل ، وحلم الدولة العادلة الذي لم يولد بعد، هذا الحلم الجمعي يستحق أن نموت من أجله واقفين ، لا أن نحيا بدونه راكعين .

التاريخ لا يرحم أولئك الذين عرفوا الطريق ولم يسلكوه، ولا أولئك الذين امتلكوا الحق وهربوا من ثمنه، فلنثبت، أخيرًا، أننا أمة تستحق وطنًا، وأن اليمن الجديد قادر على لملمة جراحه والنهوض من بين رماد الحروب، طالما بقيت قلوبنا عامرة بفكرة الدولة اليمنية بآفاقها العادلة والمغايرة تمامًا لكل ما ساد خلال الحقب المنصرمة .