السبت، 6 يونيو 2026 | الموافق ٢٠ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

القنصليات اليمنية بين الخدمة العامة وجباية المهجرين

الدكتور عادل الشجاع "الخلاف بين رئيس المجلس الرئاسي والحكومة يكشف ضعف القرار اليمني والهيمنة الخارجية ومقتل صالح كان ضمن اتفاق دولي"
الدكتور عادل الشجاع / سياسي وكاتب يمني

تكشف الوقائع المتداولة بين أبناء الجالية اليمنية في الخارج عن أزمة عميقة تعيشها مؤسسات السلك الدبلوماسي اليمني، وهي أزمة لم تعد تقتصر على ضعف الأداء أو تراجع الخدمات، بل امتدت – بحسب شكاوى متكررة – إلى ممارسات مالية وإدارية أثقلت كاهل المواطنين الذين يفترض أن تكون السفارات والقنصليات ملاذهم الأول في الغربة..

فبعد الجدل الذي أثير سابقا حول أداء القنصلية اليمنية في فرانكفورت والفساد الذي يمارسه القنصل هناك، تتجه الأنظار اليوم إلى القنصلية اليمنية في بروكسل، حيث يشكو مواطنون من فرض رسوم على معاملات التصديق على الوثائق بدون قانون. ووفقا لما يتم تداوله بين أبناء الجالية، فقد تم تحديد مبلغ 50 دولارا للتصديق على بعض الأوراق، مع تبرير مفاده أن الوزارة فرضت رسما قدره 35 دولارا، بينما أضيفت 15 دولارا أخرى لتغطية مرتبات الموظفين..

وهنا يبرز السؤال الجوهري: بأي سند قانوني تفرض هذه الرسوم الإضافية؟ وهل توجد لوائح أو قرارات رسمية منشورة تمنح القنصليات صلاحية استحداث رسوم جديدة خارج ما تقره الدولة؟ إن مبدأ المشروعية يقتضي أن تكون جميع الرسوم الحكومية محددة بقوانين أو لوائح معلنة، وأن تورد إلى الخزينة العامة وفق آليات رقابية واضحة، لا أن تترك للاجتهادات الفردية أو التبريرات الإدارية..

الأمر الأكثر إيلاما أن المتضررين من هذه الإجراءات هم في الغالب يمنيون اضطروا إلى مغادرة بلادهم بسبب الحرب والأوضاع الاقتصادية والإنسانية الصعبة. هؤلاء لا يقصدون القنصليات ترفا أو اختيارا، بل لأنهم يحتاجون إلى وثائق رسمية تمكنهم من الإقامة والعمل والتعليم والعلاج في البلدان التي لجأوا إليها.

كثير منهم يعيشون ظروفا قاسية، ويكافحون لتأمين احتياجات أسرهم الأساسية، ما يجعل أي رسوم إضافية عبئا جديدا يضاف إلى معاناتهم اليومية..

وإذا كانت القنصليات عاجزة عن تقديم خدمات نوعية للمواطنين، وتتحول في نظر كثيرين إلى مراكز لتحصيل الأموال والرسوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما الغاية من استمرار هذا العدد الكبير من البعثات الدبلوماسية إذا كانت كلفتها تفوق الفائدة التي تحققها؟ وما الذي ستخسره اليمن فعليا لو خضعت هذه البعثات لمراجعة شاملة تعيد تقييم جدواها وأدائها؟.

كما يطرح أبناء الجاليات تساؤلا مشروعا حول جدوى استمرار تعيين مسؤولين وموظفين لا يمتلكون معرفة حقيقية بواقع المغتربين وهمومهم، في حين تزخر الجاليات اليمنية في الخارج بكفاءات وخبرات مهنية وأكاديمية قادرة على تقديم خدمات أفضل للمواطنين، وتمثيل اليمن بصورة أكثر فاعلية أمام المجتمعات والمؤسسات الدولية..

إن إصلاح السلك الدبلوماسي لم يعد ترفا إداريا، بل ضرورة وطنية ملحة. فالدبلوماسية ليست امتيازات ورواتب ومخصصات، بل خدمة عامة ورسالة وطنية. وأي مؤسسة تفقد قدرتها على خدمة المواطن تتحول إلى عبء عليه بدلا من أن تكون سندا له..

لهذا فإن المطلوب اليوم ليس مجرد نفي الاتهامات أو تبرير الرسوم، بل فتح تحقيقات شفافة، ونشر اللوائح المالية المنظمة للعمل القنصلي، وإخضاع الإيرادات والمصروفات للرقابة والمحاسبة. فالمواطن اليمني، سواء كان داخل الوطن أو خارجه، من حقه أن يعرف أين تذهب الأموال التي يدفعها، ومن حقه أن يتلقى خدمة تحترم كرامته وظروفه الإنسانية الصعبة، ومن حق اليمنيين أن يعرفوا أين يذهب الدخل القنصلي وفتح تحقيق شامل في ذلك..