الإثنين، 8 يونيو 2026 | الموافق ٢١ ذو الحجة ١٤٤٧ هـ
الرأي

عدن .. مدينة في الجحيم !

لا مقارنة بين الإنتقالي والحوثيين

أزمة الكهرباء في عدن مزمنة ومتفاقمة ، وهي نتيجة لتراكم مشكلات هيكلية وفنية وإدارية وسياسية. وصلت ساعات انقطاع التيار الكهربائي إلى حدٍّ لا يُطاق، في مدينة تُعدّ قطعة من الجحيم في فصل الصيف؛ إذ نتحدث هنا عن 8 إلى 10 ساعات إطفاء في اليوم .

تخيّلوا أننا نتحدث عن أزمة توليد بدأت فصولها قبل عقدين ونصف، ومنذ ذلك الحين لم تُعالج أزمة العجز التوليدي بشكل كامل وحاسم، بل على العكس، اعتمدت الحلول على شراء الطاقة بالاستئجار من القطاع الخاص، دون أن يكون هناك أي توجه لإنشاء محطات توليد جديدة .

فمحطة الرئيس الإسعافية لم تكن وفق مخطط ورؤية، وإنما جاءت بالصدفة و"البركة"؛ إذ كان هناك مال مدّخر بحوزة شركة بترومسيلة، واستقر الرأي على إنفاق هذه الملايين من الدولارات على إنجاز محطة توليد جديدة في الحسوة ، وإسناد مهمة التنفيذ إلى شركة بترومسيلة.

مدينة عدن وحدها تحتاج إلى طاقة أولية لا تقل عن 1000 ميغاواط ، إذا ما أُريد تغطية الأحمال في ذروة الصيف حرًا . فليس من المقبول ولا المعقول أن تُواجه الحاجة المُلحّة والمتصاعدة للطاقة يوميًا وسنويًا بمحطات لا تنتج سوى ربع ما هو مطلوب .

شيء لا يستسيغه عقل أو منطق أو اقتصاد ، أن تواجه أزمة كبيرة وحساسة بالمسكنات والترحيل، وبذات الأدوات والأفعال السابقة، وبالمزيد من تبديد المال على شراء الوقود الذي أضحى يبتلع ملايين الدولارات شهريًا، بينما كان يمكن به إنشاء محطات توليد بالغاز والرياح والشمس .

تخيّلوا أن عاصمة بلد ، وعرفت الكهرباء قبل قرن من الزمن ، الطاقة المنتجة فيها أقل من طاقة الحرم المكي أو مصنع في دبي أو في تايوان ! فلا تزيد الطاقة التوليدية عن 200 إلى 250 ميغاواط في أحسن الأحوال، وتنخفض أحيانًا لأقل من ذلك بسبب أعطاب أو نقص وقود، ناهيك بأن بعض المناطق تنقطع عنها الكهرباء لأيام كاملة .

بينما استهلاك الحرم المكي من الكهرباء (200 ميغاواط) يعادل تقريبًا كل ما تستطيع عدن إنتاجه في أفضل أيامها (200 إلى 250 ميغاواط). أي أن الطاقة التي يستهلكها الحرم المكي بمرافقه، تكفي لتغطية مدينة عدن بأكملها لو أُديرت بشكل سليم !

الفجوة بين الطلب والعرض هائلة، وتزداد اتساعًا في الصيف بسبب الحرارة المرتفعة؛ إذ يصل الطلب الفعلي على الطاقة في فصل الصيف إلى نحو 700 إلى 750 ميغاواط، وهو رقم متحفظ وغير دقيق، لأن الانقطاعات المستمرة تمنع قياس الطلب الحقيقي المكبوت، والذي قد يتجاوز 900 ميغاواط لو توفرت الكهرباء . أما حجم العجز التقديري فيتراوح بين 450 و600 ميغاواط، أي أن محطات التوليد بالكاد تغطي 25% إلى 30% من الحاجة الفعلية.

معالجة أزمة الكهرباء أولوية قصوى، لا تحتاج إلى نقاش أو نظريات أو فلسفة ، الناس يقتلها الحر، الأطفال يعانون، المرضى يموتون أو حياتهم عذاب . الكهرباء تعني الحياة، وفق وصف الرفيق لينين، إنها عمود الحياة الإنسانية؛ فلا خدمات، ولا استثمار، ولا صحة أو تعليم أو تكنولوجيا أو تنمية من أي نوع دون كهرباء.

منذ زمن الرئيس صالح ونحن ندعو الحكومات المتعاقبة إلى وضع حلول قطعية وحاسمة ؛ طلبنا من الرئاسة والحكومات وقف العبث والاستهتار بأرواح الناس وحياتهم، ودعوناهم للتوجه إلى الصين، أو حتى إلى الشيطان ذاته، لأجل إنشاء محطات كهرباء بالغاز أو حتى بالتوليد النووي .

وقتئذ، خرج لنا وزير المالية المحترم الفقيد سيف العسلي – رحمه الله – ليقول إنه عثر على عرض من الصين وجده في سلة المهملات، وإن العرض الصيني عبارة عن قرض ميسر طويل الأجل، وكل ما طلبته الصين هو تشغيل العمالة الصينية عند التنفيذ .

في أول زيارة للرئيس هادي – رحمه الله – إلى الصين، أُثيرت جملة من الأزمات على رأسها الكهرباء، وكان هناك اتفاق أبرمه الرئيس مع الصينيين، إلا أن كل ما اتُفق عليه لم يرَ النور بسبب الازمة التي عصفت بالرئيس هادي والبلاد عمومًا منذ الانقلاب المشؤوم .

أزمة الكهرباء تستدعي حلولًا عاجلة وسريعة ، دعكم من كل ما يقال وما يشغل ذهن البعض من هواجس؛ لا بد من تحرك حكومي ورئاسي لحل هذه الأزمة .

لا نريد دعمًا دعائيًا من أحد، فلقد كانت الأعوام العشرة الماضية كافية لو صدقت النوايا .. لا نريد تكرار أحاديث الأمس، ولا مجرد ذكر أنه تم جلب محطة توليد وتُركت في العراء .

كما أن الحديث عن دعم عاجل للحكومة بالمشتقات النفطية بقيمة 150 مليون دولار، لن يعالج الأزمة؛ بل على العكس، سيصب المال في الثقب الأسود ؛ ديزل ومازوت وتشغيل لأيام، ومن ثم نجد أنفسنا إزاء الأزمة ذاتها .

الخلاصة .. اذا لم تقدروا فعل شيء للحاضر أو للمستقبل ، على الأقل، اعملوا على إعادة اليمن إلى ثلاثة عقود ونصف؛ حينها كانت الطاقة التوليدية نحو 1000 ميغاواط تقريبًا، ما يعني أن هذه الطاقة كانت توازي ما تنتجه ماليزيا وقتئذ .

أما الآن، أين نحن وأين ماليزيا؟! فإجمالي قدرة التوليد في ماليزيا اليوم نحو 40 إلى 42 ألف ميغاواط، وهذا هو الحد الأقصى الذي يمكن للمحطات إنتاجه في حال شُغّلت جميعًا، وهي بحاجة فقط إلى النصف؛ أي أن الطلب لا يتعدى 20 ألف ميغاواط، بينما النصف الآخر فائض احتياطي. 40% من الطاقة المنتجة تعتمد على الغاز الطبيعي، يليه الفحم ولكن في انخفاض دائم، و20% على الطاقة الكهرومائية والمتجددة الأخرى .

نعم ، أعيدوا لنا الألف ميغاوات ، وكفانا وإياكم شر الجدل والسخط والخصام ..