في تاريخ الأمم رجال لا تقاس قيمتهم بما جمعوا من المال، بل بما تركوه من أثر في العقول والوجدان. رجال أدركوا أن الثروة الحقيقية ليست ما يورث للأبناء، وإنما ما يورث للأجيال. وكان الأستاذ أحمد جابر عفيف واحدا من هؤلاء النادرين الذين تجاوزت رؤيتهم حدود المصالح الشخصية والعائلية إلى أفق الوطن والثقافة والإنسان..
لقد اختط الرجل لنفسه طريقا استثنائيا يكاد يكون فريدا في اليمن، وربما نادرا على مستوى العالم. فبعد أن بنى ثروته بجهده وكفاحه، لم ينتظر الموت ليوزعها، بل قسمها على ورثته في حياته، واستبقى نصيبه ليجعله وقفا معرفيا وثقافيا يخدم المجتمع من خلال المؤسسة التي حملت اسمه. كان يؤمن بأن الثقافة ليست ترفا، بل ضرورة وطنية، وأن بناء الإنسان أهم من بناء الحجر..
ومن خلال مؤسسة أحمد جابر عفيف، أُنجز ما عجزت عنه أحيانا مؤسسات رسمية تمتلك إمكانات أكبر. فقد تحولت المؤسسة إلى منارة للفكر والحوار والإبداع، واحتضنت مشاريع ثقافية ومعرفية أسهمت في إثراء الحياة العامة وصناعة الوعي. ولذلك لم يكن أحمد جابر عفيف مجرد رجل أعمال ناجح، بل كان مشروعا ثقافيا متكاملا، ورؤية وطنية تمشي على قدمين..
ولأن الرجل كان يعرف طبيعة الصراع الذي قد ينشأ حول إرثه الثقافي بعد رحيله، فقد اتخذ احتياطاته القانونية والأخلاقية. شكل مجلس أمناء، ووزع وصاياه في ظروف مغلقة على أكثر من شخص، إدراكا منه أن تعدد النسخ يحمي إرادته من العبث أو الإنكار. كان يفكر بعقل المؤسس الذي يريد لمشروعه أن يعيش بعده، لا بعقل المالك الذي تنتهي علاقته بما يملك عند حدود حياته..
غير أن المأساة التي تتكرر في التاريخ هي أن بعض الورثة يرثون الأموال ولا يرثون القيم، ويحصلون على الممتلكات لكنهم يعجزون عن حمل الرسالة. فالفارق كبير بين من صنع الثروة ومن وجدها جاهزة، وبين من عاش عمره منشغلا ببناء مؤسسة تخدم المجتمع، ومن ينظر إليها باعتبارها مجرد أصل قابل للبيع والتصرف..
إن بيع مقر مؤسسة ثقافية أُنشئت لتخليد مشروع معرفي لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تصرف مالي عادي، بل هو فعل يحمل دلالات أعمق تتصل بطبيعة العلاقة مع إرث المؤسس نفسه. فحين تُختزل مؤسسة ثقافية في قيمتها العقارية، ويتراجع حضور الرسالة أمام إغراء المكسب المادي، فإننا نكون أمام انتصار مؤقت للمصلحة الضيقة على الفكرة الكبرى التي نذر صاحبها حياته من أجلها..
والمؤلم في هذه القصة ليس ضياع مبنى أو مقر، فالمباني يمكن تعويضها، وإنما ضياع الوفاء لمعنى الوفاء ذاته. فالأبناء الحقيقيون لأي شخصية عظيمة ليسوا فقط من يحملون اسمه، بل من يحملون مشروعه ويحرسون حلمه ويصونون إرثه. أما من يبددون ما بناه الآباء، فإن التاريخ لا يتذكرهم بوصفهم ورثة، بل بوصفهم الحلقة التي حاولت قطع السلسلة بين الماضي والمستقبل..
لقد رحل أحمد جابر عفيف، لكن أثره ما زال حاضرا في ذاكرة المثقفين والباحثين وكل من عرف قيمة ما قدمه للوطن. وسيبقى اسمه مرتبطا بالبناء والعطاء والتنوير، بينما ستبقى كل المحاولات التي تستهدف تقويض إرثه مجرد أحداث عابرة أمام سيرة رجل اختار أن يجعل من ماله جسراً للمعرفة لا سلعة للمساومة..
رحم الله أحمد جابر عفيف، فقد أدرك مبكرا أن الثقافة هي الاستثمار الوحيد الذي لا يفلس، وأن المؤسسات التي تبنى لخدمة الناس أبقى من كل الثروات. وإذا كان الموت قد غيبه جسدا، فإن ما تركه من أثر وفكرة ورسالة سيظل شاهدا على أن الرجال العظماء يعرفون بما يبنون لا بما يملكون..





