الإثنين، 29 يونيو 2026 | الموافق ١٣ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

البعيثي» يعتزم الانتحار احتجاجاً على استمرار قطع رواتبه

الحوثيون واستدعاء الحرب: من جلب القصف إلى التنكر له"

هذا ليس مجرد اعلان عن ياس شخصي، بل هو وثيقة ادانة جماعية لنظام يحترف واد ابنائه فحين يقرر صحفي مخضرم ان الموت ارحم من خذلان الشرعية، فنحن لسنا امام حادثة انتحار مرتقبة بل امام جريمة اغتيال معنوي ومادي مكتملة الاركان تنفذ بدم بارد .

هذه ليست قضية شيكات متاخرة او عجز في الموازنة انما هي قضية كرامة وطن يهان في شخص من حملوا قلمه ،ولم يكن يحيى البعيثي يبحث عن شفقة حين كتب منشوره الاخير ،بل كان يقرع جرس انذار في غرفة نوم ضميرنا الجمعي الذي اثقله السبات، فالرجل الذي افنى ستة وثلاثين عاما من عمره حارسا للحقيقة يجد نفسه اليوم محاصرا بين خيارين ،اما ان يموت جوعا وقهرا او يختار نهايته بيده احتجاجا على حكومة حولت التجويع الى سياسة

وبلغة الاستقصاء لا مجال للعواطف في قراءة مسرح الجريمة المستمرة منذ عام ونصف، فنحن امام ملف فساد مزدوج يجمع بين الاهمال المتعمد والاهدار المالي ،المتمثل في ثمانية عشر شهرا من الخنق المتعمد والايقاف التعسفي لرواتب اكثر من عشرين صحفيا يمنيا ،دون مستند قانوني او قرار اداري يبرر هذا الانتهاك لترمى ستة وثلاثون عاما من الخدمة في سلة المهملات اذ لم يشفع للبعيثي تاريخه المهني الطويل ولا قراره المبدئي برفض البقاء في صنعاء تحت سلطة المليشيا الحوثية.

لقد فر باحثا عن دولة فوجد مقصلة وتبرز هنا المفارقة المالية القاتلة ،ففي الوقت الذي ترفض الخزينة توفير الفتات الذي يضمن بقاء هؤلاء الصحفيين على قيد الحياة ،تهدر الاف الدولارات شهريا على بدلات سفر ونثريات وحسابات وهمية في أروقة المؤسسات الشرعية، وهذا التناقض الصارخ يحول الجوع هنا من ظرف قاهر الى سلاح سياسي يستخدم لاخضاع الاصوات الوطنيه

سيكولوجيا الخذلان لماذا يجب على كل حر ان نغضب؟ الجواب لان الغضب هو شرارة التغيير وما تفعله السلطة اليوم بالبعيثي وزملائه ،هو رسالة موجهة للاوعي الجمعي لكل يمني مفادها انه اذا كان هذا هو مصير النخبة التي تتحدث باسمكم وتدفع ثمن ولائها للشرعية ،فماذا تظنون أننا فاعلون بكم ؟

فحين يسلب الانسان قدرته على اطعام اسرته رغم ولائه لعمله يتم تجريده من انسانيته، وتحويل مطلب الراتب الى تسول ،هذه استراتيجية منهجية لكسر الارادة وان صمت الجماهير اليوم عن تجويع عشرين صحفيا هو بمثابة اعطاء تفويض مجاني للسلطة ،لتجويع ستون مليون يمني غدا .

وكما قال البعيثي انه في كثير من الاحيان لا تدرك الحكومات حجم المظلومية الا بعد فوات الاوان ،وبعد الرحيل يصبح الانصاف متاخرا وهذه الكلمات ليست رثاء للذات، بل هي ادانة مسبقة لنا جميعا ،فان تركنا البعيثي ينفذ وعيده فاننا شركاء في شد الحبل حول عنقه، وكل مسؤول صمت وكل جهة تقاعست وكل مواطن مر على الخبر وكانه شريط انباء عابر هو شريك في هذه الجريمة

لقد وجه البعيثي نداءه الاخير الى نقابة الصحفيين اليمنيين والمنظمات الدولية ،رافضاً تحولهم الى مجرد حاضني عزاء يصدرون بيانات التنديد بعد دفن الضحايا ،فدور النقابة والمجتمع المدني اليوم يجب ان ينتقل من خانة المناشدة الى خانة الفعل عبر التحرك القانوني الفوري، برفع دعاوى قضائية ضد الجهات المانعة للرواتب بتهمة الشروع في القتل بالامتناع واعلان الاعتصام المفتوح .

لتتحول قضية الصحفيين العشرين الى قضية راي عام تتصدر المشهد الاعلامي اليومي، ولا تنتهي الا بصرف المستحقات باثر رجعي الى جانب التعبئة الجماهيرية، حيث يجب ان يدرك الشارع اليمني ان كرامة هؤلاء الصحفيين هي خط الدفاع الاخير عن كرامة المواطن العادي ،والى كل يمني يقرا هذا اعلم ان قضية يحيى البعيثي ليست قضية مالية، بل هي مقياس لما تبقى لنا من شرف في هذه الحرب.

فاغضبوا قبل ان نضطر لقراءة بيان نعي جديد ،يكتب بحبر الخزي، انشروا قضيته واجعلوها تريند لا يهدا وحاصروهم بالاسئلة ،وافضحوا ارصدتهم المتخمة بدماء الجياع، ولا تتركوا يحيى يرحل وحيدا ليثبت لنا اننا كنا موتى قبله.