الإثنين، 13 يوليو 2026 | الموافق ٢٦ محرم ١٤٤٨ هـ
الرأي

الجبل الذي ظنوه ساكناً

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

في اليمن، ليست كل الأشياء التي تلتزم الصمت ضعيفة. فهناك ما يصمت لأنه يعرف أن الضجيج لا يصنع الهيبة، وأن الزمن كفيل بكشف الحقائق. والجبل واحد من تلك الأشياء؛ يبدو ساكنًا من بعيد، لكنه يحمل في داخله من الصلابة ما يجعل العواصف تمر، ويبقى هو في مكانه.

والقبيلة تشبه الجبل، قد يظن البعض أن سنوات الحرب أنهكتها، وأن الضغوط فرّقت صفوفها، وأن الخوف غلب إرادتها. غير أن القبائل لا يتم تقيمها بما يبدو على السطح، بل بما تختزنه في أعماقها من قيم وعزة وإحساس بالمسؤولية.

لقد مرت أعوام حاولت فيها جماعة الحوثي أن تجعل القبيلة مجرد اسم، وأن تستبدل مكانتها التاريخية بعلاقة تقوم على الإخضاع والولاء القسري. غير أن ما يُفرض بالقوة لا يعيش طويلًا، لأن الكرامة ليست امتيازًا يُمنح، وإنما حق يولد مع الإنسان.
واليوم، ومع تزايد مؤشرات استعداد القبائل، يبدو أن الجبل بدأ يستعيد صوته. وليس لأنه يبحث عن حرب جديدة، وإنما لأنه يدرك أن السكوت الطويل قد يُفهم على أنه قبول، وأن الكرامة إذا لم تجد من يحميها أصبحت ذكرى تُروى للأجيال.

إن القبيلة حين تتحرك دفاعًا عن شرفها لا تبحث عن مجد شخصي، بل عن استعادة مكانة حاولت سنوات الصراع أن تنتزعها منها. فهي تعرف أن الأوطان والمجتمعات لا تستقيم إذا أُهينت ركائزها الاجتماعية. ولهذا، فإن ما يجري اليوم يتجاوز حدود المواجهة العسكرية.

إنه صراع بين مشروع يريد مجتمعًا تابعًا، ومجتمع يريد أن يبقى سيد قراره، متمسكًا بعاداته وقيمه وإرثه.

ولم يكن التاريخ يوماً رحيمًا بالمشاريع التي ظنت أن القوة تكفي لإخضاع الناس. فكل مشروع يتجاهل كرامة المجتمع يبدأ قويًا، ثم يكتشف متأخرًا أن أكثر ما كان يخشاه لم يكن السلاح، بل صحوة الوعي.

ربما تأخر الجبل في الحركة، لكنه عندما يقرر الوقوف لا يسأل أحدًا عن الطريق. يمضي بثبات، ويترك للتاريخ أن يكتب ما حدث.

وفي اليمن، إذا نهضت القبيلة دفاعًا عن الكرامة، فإنها لا تستعيد اعتبارها وحدها، بل تفتح بابًا واسعًا أمام استعادة الدولة، لأن الأوطان التي تتصالح مع قيمها تكون أقرب إلى النهوض من تلك التي تعيش تحت وطأة الإكراه.
وهكذا يبقى الجبل، كما كان دائمًا، صامتًا في البداية لكن صمته ليس نهاية الحكاية، وإنما مقدمة لزلزال يغيّر شكل المشهد كله.