الأربعاء، 15 يوليو 2026 | الموافق ٢٩ محرم ١٤٤٨ هـ
الأدب والفنون

فرقة «بنات اليمن»: أنسامبل غنائي يهودي يدعم أصوات النساء اليمنيات

فرقة «بنات اليمن»: أنسامبل غنائي يهودي يدعم أصوات النساء اليمنيات

حميد عقبي + خاص

يشهد التراث الموسيقي ليهود اليمن في إسرائيل خلال السنوات الأخيرة نشاطًا ملحوظًا ،يتمثل في ظهور فرق ومبادرات فنية متعددة وكثيرة ،تسعى إلى إعادة إحياء الأغنية اليمنية وتقديمها للأجيال الجديدة.

ولم يعد الاهتمام يقتصر على الفنانين المخضرمين، بل ظهرت مشاريع يقودها موسيقيون ومغنون شباب يرون في هذا التراث جزءًا حيًا من هويتهم الثقافية، وليس مجرد مادة فولكلورية تُحفظ في الأرشيف. ومن بين هذه المبادرات برز أنسامبل «بنات اليمن» ، الذي اختار أن يسلط الضوء على جانب ظل أقل حضورًا في التسجيلات التجارية، وهو غناء النساء اليمنيات بما يحمله من ذاكرة اجتماعية وإنسانية وشعرية.

منذ ظهوره حظي المشروع باهتمام المؤسسات الثقافية، ونال عام 2023 اعترافًا من وزارة الثقافة الإسرائيلية، بوصفه مشروعاً، يمثل الغناء التقليدي لنساء اليمن. ومنذ ذلك الوقت أخذ يشارك في مهرجانات ومسارح ومراكز ثقافية مختلفة، مقدّمًا عروضًا غنائية لهذا التراث دون أن يبتعد عن روحه الأصلية.

قامت فكرة الفرقة على تقديم حفلات غنائية وكذلك العمل على إعادة الاستماع إلى الأصوات النسائية، التي انتقلت عبر الأجيال شفهيًا، وغنتها النساء في البيوت، وأثناء الأعراس والحناء والوداع والعمل، بعيدًا عن المنصات الفنية والإنتاج التجاري.

تتكون الفرقة اليوم من ثلاث مغنيات رئيسيات، هن: نيفا هارئيل. شيران تسفيرا. عادي تساباري.

ويجمع بين هؤلاء الفنانات اهتمام عميق بالتراث اليمني، إلا أن كل واحدة منهن تمتلك أيضًا مشروعها الفني المستقل. فنيفا هارئيل عرفت بمشروعها «شَمَعَا» الذي يركز على غناء النساء اليمنيات.

بينما قدمت شيران تسفيرا تسجيلات مستقلة للأغنية اليمنية التقليدية، كما أن عادي تساباري تمتلك قناة خاصة وأعمالًا موسيقية، منها الأغنية المصورة «طائر الرمل»، إضافة إلى تسجيلها أغنية «يوما ويابا» مع شرح لمعناها التاريخي والاجتماعي. لذلك فإن اجتماعهن في «بنات اليمن» لم يكن بداية لمسيرتهن الفنية، بل التقاء ثلاث تجارب كانت تعمل أصلًا على خدمة التراث اليمني.

الغناء النسائي اليمني

يتميز المشروع باختيار لون محدد من الغناء، وهو الغناء النسائي اليمني. ففي الوقت الذي اهتمت فيه تسجيلات كثيرة بالديوان اليمني أو بالأغاني الرجالية، توجهت «بنات اليمن» إلى الأغنيات التي كانت تؤديها النساء في الحياة اليومية، ومنها أغاني الحناء، والزواج، والوداع، وأغاني الفرح، والمراثي، والأهازيج الشعبية، إضافة إلى بعض النصوص العبرية الدينية والابتهالات التي ارتبطت بالمجتمع اليهودي اليمني.

ومن الأمثلة التي قدمتها الفرقة أغنية «يوما ويابا»، وهي أغنية ذات صيت كبير واشتهرت قديمًا بإيقاعها الراقص، غير أن كلماتها تكشف مأساة فتاة صغيرة تُزف إلى زوجها، فتعاتب والديها قائلة: «هل بعتماني لأنكم بحاجة إلى المال؟ بيعوا الأبقار والأغنام ولا تبيعوني أنا». وكنموذج فإن هذه الأغنية توضح كيف يحمل التراث النسائي اليمني أبعاداً اجتماعية ونفسية تتجاوز الجانب الاحتفالي.

الاحتفاظ باللهجة اليمنية الأصلية والزخارف الصوتية

تعتمد الفرقة على الغناء الجماعي متعدد الأصوات، مع توزيعات موسيقية حديثة تحافظ على روح الأداء التقليدي. ولا يظهر أنها سعت إلى تغيير بنية الأغنية الشعبية أو إعادة تأليفها، ولكن تقدمها بصياغة معاصرة تجعلها قريبة من الجمهور الحالي، مع الاحتفاظ باللهجة اليمنية الأصلية والزخارف الصوتية التي تميز الغناء اليمني.

ويتولى غاي تيرام الإدارة الموسيقية للمشروع، وهو أيضًا عازف العود في معظم العروض، ويعمل على إعداد التوزيعات الموسيقية وقيادة الفرقة على المسرح.

ويرافقه عدد من الموسيقيين الذين قد يختلفون من عرض إلى آخر، ومنهم العازفة اليمنية الحبانية موريا معطوف على الإيقاع، وهي فنانة سبق أن قدمت أعمالًا غنائية من إنتاجها الخاص، إضافة إلى هيلا أحيئيل على الكمان، وغايا سيلع على لوحات المفاتيح، وعوز يحئيلي على الباص، وغيرهم من الموسيقيين.

ومن خلال متابعة عروض الفرقة يتضح أن المغنيات الثلاث يشكلن النواة الثابتة للمشروع، بينما تتغير أحيانًا التشكيلة الموسيقية وفق طبيعة الحفل أو المهرجان.

لا تقتصر أنشطة «بنات اليمن» على تقديم عروضها الخاصة، بل تتعاون أيضًا مع فنانين ومشاريع موسيقية أخرى. فقد استضافت الفنانة طُهر غداسي في عرض خاص بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عام 2026، كما شاركت ضيفة في حفل الثنائي شيران وبكال ضمن مهرجان «تيما»، وهو ثنائي يجمع بين الجذور اليمنية والعراقية في مشروع موسيقي شرقي معاصر.

وتشير هذه المشاركات إلى أن الفرقة تعمل ضمن شبكة واسعة ومع فنانين مهتمين بالموسيقى الشرقية والتراث اليمني، حيث لا تبدو العلاقة بينهم قائمة على المنافسة، بل على التعاون وتبادل الخبرات والضيوف في المهرجانات والحفلات.

كما قدمت الفرقة عروضها في عدد من المؤسسات الثقافية، منها بيت الشرق والغرب في تل أبيب–يافا، ومركز شوشانا دماري الثقافي في بيتح تكفا، إضافة إلى مشاركات في مؤتمر دراسة يهود اليمن ومهرجانات أخرى متخصصة في الموسيقى والتراث.

ومن المهم أن نذكر بأن المشروع يعتمد أساسًا على العروض الحية أكثر من اعتماده على الإنتاج الموسيقي التجاري. فلم تصدر الفرقة حتى الآن ألبومًا يحمل اسمها، كما لا تمتلك قناة رسمية على يوتيوب أو موقعًا إلكترونيًا مستقلاً.

بينما يتركز حضورها الإعلامي على حسابها في إنستغرام وفايسبوك، إضافة إلى صفحات المسارح والمهرجانات التي تستضيفها. ويبدو أن طبيعة المشروع، بكونه فرقة ومجموعة تقدم عروضًا مباشرة في المناسبات الثقافية، جعلت نشاطه مرتبطًا بالمسرح أكثر من ارتباطه بإنتاج التسجيلات.

ولا يعني ذلك غياب الاحتراف أو ضعف الحضور، ولكن يعكس طبيعة مختلفة للمشروع؛ فهو يهدف قبل كل شيء إلى إعادة إحياء الغناء النسائي على خشبة المسرح، والتواصل المباشر مع الجمهور، بينما تواصل كل واحدة من عضواته تطوير مشروعها الشخصي بصورة مستقلة.

ومن خلال متابعة المشهد الموسيقي اليمني اليهودي، يلاحظ أن السنوات الأخيرة شهدت ظهور عدد كبير من الفرق والمبادرات التي تعمل في الاتجاه نفسه، وإن اختلفت أساليبها وأهدافها التفصيلية. فهناك من يركز على الديوان اليمني، وآخرون على الأغنية الشعبية، وبعضهم على الرقص أو الموسيقى المعاصرة المستلهمة من التراث.

ولا يبدو أن وجود هذه المشاريع المتقاربة يثير حساسيات أو تنافسًا سلبيًا، بل يعكس حيوية المشهد واتساع دائرة المهتمين بهذا الإرث.

كما أن جمهور هذا التراث لم يعد محصورًا داخل إسرائيل، فبفضل وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الأغنية اليمنية اليهودية تجد مستمعين في اليمن، وفي عدد من الدول العربية، إضافة إلى أوروبا وأمريكا، حيث يعيش أبناء الجاليات اليمنية والمهتمون بالموسيقى الشرقية.

وربما يفسر ذلك حرص بعض الفرق على كتابة أسمائها بالعربية إلى جانب العبرية والإنجليزية، كما هو الحال مع «بنات اليمن»، في إشارة رمزية إلى اعتزازها بجذورها اليمنية، ورغبتها في مخاطبة جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية واللغوية.

التراث الغنائي ليهود اليمن والتجدد

لقد أثبتت «بنات اليمن» خلال فترة قصيرة أنها مشروع ثقافي أيضًا يساهم في إعادة الاعتبار لذاكرة نسائية ظلت طويلًا حبيسة البيوت المغلقة والاحتفالات العائلية الخاصة.

ومن خلال الأداء الجماعي، والتعاون مع فنانين آخرين، والاعتماد على خبرات ثلاث مغنيات لكل منهن مسارها الخاص، يظهر أن الفرقة نجحت في تقديم نموذجًا جيدًا في التعامل مع التراث، وعملها يقوم على الإحياء والاحترام أكثر من السعي إلى إعادة تشكيله أو استبداله.

ومن هنا نفهم ، بأن «بنات اليمن» تمثل واحدة من المبادرات التي تؤكد أن التراث الغنائي ليهود اليمن ما يزال قادرًا على التجدد، وأن حفظه لا يعتمد على مشروع واحد أو فرقة واحدة.

فحقول العمل متنوعة وكثيرية وثرية ولاتزال الكثير من الكنوز المدفونة تحتاج إلى شبكة واسعة من الفنانين والعازفين والباحثين، والمؤسسات الثقافية، يعملون معًا، كل بطريقته، من أجل استكشافات جديدة وكذلك إبقاء هذا الصوت اليمني الجميل والعريق حاضرًا في الذاكرة، ومتجددًا في وجدان الأجيال الجديدة والتي ستأتي مستقبلاً.