الخميس، 30 يوليو 2026 | الموافق ١٣ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

فضيحة الابتعاث وحكومة منفصلة عن الواقع

الاستلاب المتراكب والذل الطوعي

تفجرت منذ أيام قنبلة فضيحة مالية وإدارية ما تزال شظاياها تتناثر في المجتمع اليمني، وأحدثت ضجة وتفاعلًا كبيرين، لا يقلان عما أثاره استعداد حماس للمعركة إثر التصعيد الأخير. وما زالت تفاعلات هذه الفضيحة تتوسع، وتغطي صفحات فيسبوك، مع وعود بنشر وثائق جديدة، ومع هذا لا يوجد أي تعليق واحد من هذه الحكومة.

وكيف يمكن تفسير هذا الصمت أمام قضية تؤثر على المجتمع، وتبث حالة من الشك وفقدان المصداقية إلى هذا الحد؟

لا يوجد تفسير آخر غير أن هذه الحكومة منفصلة عن واقعها، ولا تشعر، وليس لديها أدنى إحساس أو قدرة حقيقية على التفاعل مع متطلبات المجتمع.

ويبدو أنها لم تستوعب بعد كيفية التعاطي مع الرأي العام، ولا تدرك أن السمعة لا يمكن ترميمها وبناؤها في يوم واحد، وأن الضربات المتتالية، وإن لم تُسقط حكومة بعد، فإنها قادرة على تقويض أركانها تمامًا، ولن تُصلح الصورة في وعي الناس. فالصورة العامة حاليًا أن هذه الحكومة غارقة في الفساد، وهو ما لا يؤهلها لاستعادة البلاد من جاثوم الحوثي.

ومهما كانت استعدادات المعركة الميدانية، فإن مثل هذه الأخبار تفت في عضد المقاتلين، وتضعف كل من هو في الجبهة الأولى، وتؤثر في المجتمع اليمني، وتقضي على أمل الخلاص من الحوثي، خصوصًا في الداخل، وخصوصًا لدى من هم في مناطق الحوثي، الذين يذهبون دومًا إلى المقارنة: كيف لنا أن نستبدل قاتلًا بفاسد؟ ستكون هذه هي المعادلة البسيطة في أذهان اليمنيين.

وفي اليوم الذي ستُعلن فيه نقطة الصفر، أو صافرة انطلاق معركة التحرير، لن تجد هذه الحكومة سندًا حقيقيًا من الجماهير، ليس لأنهم يرغبون بالحوثي أو استأنسوا له، ولكن لأنهم لا يثقون بالحكومة.

يبدو أن هذه الأفكار لا تهم هذه الحكومة، التي لم يصدر منها أي شيء إلى الآن، واكتفت بالتكيف والتخفي وراء أن يتحول الموضوع إلى مناكفات، وأن تتحول القضية إلى تبادل اتهامات سياسية وحزبية، وأن يهب حزب الإصلاح، بآلية غبية جدًا، للدفاع عن وزير مسحوب عليه، بدلًا من التعامل مع قضية عامة.

فإذا كان نائب برلماني قد تطوع للدفاع عن الملف بكل فظاظة، ومثله وكيل وزارة، وتبعهم إعلاميون، فمن الذي سيدافع عن المجتمع؟ ومن سيكون الجهة الرقابية؟

لنذهب إلى مقولتهم المراوغة تلك، أن هناك من يريد حرف جهود المجتمع الحقيقية وصرف نظره عن المعركة. بكل ما في هذه المقولة من رتابة وإعادة إنتاج لنموذج صالح، النموذج الذي قالوا إنهم ثاروا عليه. ماذا عملتم أمام هذه الحملة التي ستخترق جبهة القتال؟ كيف تعاملتم معها مؤسسيًا؟

لا أفهم طريقة التبرير التي انتشرت بين الكثير من الناس لمحاولة تبييض هذه الفضيحة والتخفيف من شأنها.

هل يسقط الفساد بالتقادم؟ إذا كان التقرير قديمًا، فهل قامت الحكومة وأوضحت ماذا فعلت خلال السنوات اللاحقة؟ هل أظهرت آخر تقاريرها؟ هل أوضحت آلية شفافة للتعامل مع الموضوع؟ الجميع يتعامل بطريقة شخصية، يحاول تبرئة نفسه، ولكن لا أحد يبرر آلية عمل الحكومة، ولا أحد يريد أن يوضح الحقائق لهذا المجتمع.

لا من مجلس القيادة، ولا من الحكومة التي ينبغي أن تتصدر الشأن العام. لم يقل رئيس الوزراء، ولا مكتبه، ولا وزارة التعليم العالي، جملة واحدة فقط، مثل:

إصدار بيان أولي، توجيه بفتح تحقيق مستقل، نشر جدول زمني لإعلان النتائج، وتعليق أي مسؤول يثبت ارتباطه بالقضية إلى حين انتهاء التحقيق.

لماذا لا وجود لهذه الخطوات في الحكومة؟ هل هي حكومة مختلفة عن كل حكومات العالم التي تتداعي خجلاً ومسؤولية أمام قضايا أقل أهمية من موضوع فساد الابتعاث ؟ متى ستتوقف حكومة الزنداني عن ازدراء اليمنيين؟

تركتم الأمر ليتداول فيه الناس.

اليمن في ورطة كبيرة؛ ورطة أن الحكومة ليست رشيدة، ولا تدافع عن خياراتها وقراراتها، ولا تدافع عن احترام القانون واللوائح. ونخب تغرق في الشعبوية والمناكفات، وتتعامل مع إدارة الدولة وتسيير مسؤولياتها بعبثية وعدمية قاتلة، شيشرونية هادمة.

من سيخبر النائب الموقر الحزمي ومن ساروا على نهجه المخجل أن المطالبة بالشفافية لا تعني إدانة أحد مسبقًا، بل هي دفاع عن حق المجتمع في معرفة الحقيقة.

هل لديكم مشكلة مع الحقيقة دولة رئيس الوزراء ، سعادة النائب، سعادة الوكيل؟

لا يمكن الذهاب نحو معركة تحرير بهذا الأداء وبعدم السعي إلى كسب ثقة المواطن.