في الحروب، تستدعي الدول أبناءها للدفاع عن حدودها. هذه هي القاعدة التي يعرفها التاريخ، مهما اختلفت الأنظمة والسياسات. أما أن يستبدل أبناء الدولة بشباب فقراء من دولة أخرى أنهكتها الحرب، فذلك ليس مجرد خيار عسكري، بل سؤال أخلاقي وإنساني مدو..
تتحدث تقارير وأخبار متداولة عن حملة تجنيد سعودية تستهدف شبابا يمنيين، ونشرهم عبر حدودها الممتدة بين العراق والأردن. وإذا ثبتت صحة هذه التقارير، فإننا لا نكون أمام عملية تجنيد عادية، بل أمام مأساة تختزل فيها قيمة الإنسان إلى راتب، ويختزل فيها مستقبل الشباب إلى بندقية..
أي مفارقة أشد قسوة من أن يتحول اليمن، الذي دفع أثمانا باهظة للحرب، إلى خزان بشري لحروب الآخرين؟.
أي عدالة هذه التي تجعل الشاب اليمني، الذي كان ينبغي أن يجلس على مقاعد الجامعة، أو يحمل أدوات البناء، أو يزرع أرضه، يحمل بدلا من ذلك سلاحا قد يكون ثمنه حياته؟.
إن الفقر ليس مجرد ظرف اقتصادي، بل قد يصبح، حين يستغل، أخطر سلاح في الحروب. فالجائع لا يجند لأنه يؤمن بالمعركة، بل لأنه يبحث عن لقمة خبز. والعاطل عن العمل لا يذهب إلى الجبهة حبا في الموت، بل هربا من حياة لم تترك له خيارا آخر..
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.أن يصنع الفقر، ثم يستثمر.أن تدمر حياة الناس، ثم يطلب منهم أن يموتوا مقابل راتب.أن يتحول الجوع إلى مكتب تجنيد، وأن تصبح الحاجة تأشيرة عبور إلى ساحات القتال..
إذا كانت الدول تعتبر أبناءها أغلى ما تملك، فلماذا يدفع بشباب اليمن إلى خطوط النار؟ ولماذا يتحول اليمني إلى المقاتل الجاهز كلما احتاجت المنطقة إلى مزيد من البنادق؟.
إن القضية ليست مجرد أرقام عن مجندين، بل عن جيل كامل يسرق من مستقبله. آلاف الشباب الذين كان يمكن أن يصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين وعلماء، يجدون أنفسهم في خنادق القتال. ومن ينج منهم قد يعود بجسد مبتور، أو روح مثقلة بآثار الحرب، ليعيش بقية عمره شاهدا على أن الفقر قد يكون أقصر الطرق إلى المقبرة..
الحروب تنتهي، لكن الإعاقات لا تنتهي، والأمهات لا ينسين أبناءهن، والأطفال لا يستعيدون آباءهم، والأوطان لا تعوض بسهولة جيلا كاملا أهدر في المعارك..
إن العالم مطالب بالتحقيق الجاد في أي مزاعم تتعلق بتجنيد اليمنيين وبالأخص الحكومة اليمنية معنية بفتح هذا الملف، لأن حماية الإنسان لا تبدأ بعد موته، بل تبدأ بمنع استغلال ضعفه..
فكل شاب يمني يدفع إلى الحرب هو صفحة تنتزع من كتاب مستقبل اليمن، وكل رصاصة تُطلق من يده هي فرصة تسرق من وطن كان أحوج ما يكون إلى علمه وعمله وحياته..
ولعل السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرا في ضمير العالم وفي ضمير الحكومة اليمنية هو: كم شابا آخر يجب أن يموت لأن الفقر كان أقوى من أحلامه!؟.





