نتحدث كثيرًا عن اليمن الذي نريد بناءه خارج أبواب بيوتنا، وننسى أحيانًا أن صورة مصغرة منه تُبنى كل يوم داخلها.
في البيت الواحد يعيش أشخاص لا يتطابقون في العمر أو المزاج أو الرأي. أب يرى الحياة بعين جيله، وأبناء ينظرون إليها من زمن مختلف، وأم تحمل نصيبًا كبيرًا من أعباء الأسرة، وجد أو جدة يحملان ذاكرة زمن آخر.
تختلف الطموحات والاختيارات، ومع ذلك يبقى على الجميع أن يجدوا طريقة للعيش تحت سقف واحد ،أليس في هذا البيت الصغير شيء من صورة اليمن الكبير؟
فاليمن، بتنوع مناطقه ولهجاته وعاداته وتجارب ناسه، يواجه في جوهره سؤالًا تعرفه كل أسرة: كيف نعيش معًا من دون أن يكون الاتفاق في كل شيء شرطًا لبقائنا معًا؟
لا يمكن بالطبع تحميل الأسرة مسؤولية أزمات اليمن فالحروب والانقسامات والأزمات الاقتصادية والسياسية نتاج عوامل أكبر وأكثر تعقيدًا من البيت.
لكن الأسرة تظل من أولى المساحات التي يتعلم فيها الإنسان كيف يرى الآخرين، وكيف يفهم السلطة، وكيف يتصرف عندما يختلف مع شخص لا يستطيع ببساطة إخراجه من حياته.
تبدأ هذه الدروس من تفاصيل تبدو صغيرة. يريد أب لابنه تخصصًا جامعيًا يراه أكثر أمانًا، بينما يرى الابن مستقبله في طريق آخر. تريد ابنة أن يكون لها رأي حقيقي في قرار يمس حياتها، بينما يعتقد بعض أفراد الأسرة أنهم أدرى بمصلحتها. يختلف أخوان حول شأن عائلي، فيرتفع الصوت ويبدأ كل طرف في جمع المؤيدين.
السؤال الأهم هنا ليس: من ينتصر؟ بل: كيف يُدار الاختلاف؟
هل يستطيع الأصغر أن يقول “لا أوافق” من دون أن تتحول مخالفته إلى إساءة؟ وهل يستطيع الكبير أن يحافظ على مكانته من دون أن يجعل العمر دليلًا على صحة كل رأي؟
وهل يكون الشخص المعني بالقرار شريكًا فيه، أم يتخذ الآخرون القرار نيابة عنه ثم يطلبون منه القبول؟
في هذه التفاصيل تتشكل علاقتنا بالاختلاف قبل أن نسمع أصلًا كلمات مثل التعايش والمشاركة.
وفي البيت يتعرف الإنسان أيضًا إلى القوة. هناك من يملك المال ومن يعتمد على غيره، ومن تمنحه السن سلطة أكبر ومن لا يملكها، ومن يستطيع رفع صوته ومن يصعب عليه الدفاع عن نفسه. ولهذا فإن أحد أهم اختبارات الأسرة هو طريقة تعاملها مع من يملك قوة أقل داخلها.
فالطفل الذي يرى أن صاحب الصوت الأعلى يفوز دائمًا قد يفهم أن القوة مصدر للحق. ومن يرى أن الخطأ يُغتفر لشخص ويُحاسب عليه آخر، يتعلم أن العدالة يمكن أن تتغير بحسب المكانة. أما حين يرى أن القواعد تسري على الجميع، وأن الاستماع لا يعني الضعف، وأن المسؤولية لا تعني التسلط، فإنه يتلقى درسًا مختلفًا تمامًا.
لهذا يمكن النظر إلى الأسرة باعتبارها أول بروفة للمواطنة.
قبل أن يصبح الإنسان موظفًا أو مسؤولًا أو فاعلًا في مجتمعه، يكون فردًا في أسرة. فيها يكتشف أن له حقوقًا وعليه واجبات؛ وأن الموارد ليست بلا حدود؛ وأنه لن يحصل دائمًا على ما يريد؛ وأن للآخرين احتياجات ورغبات قد تتعارض مع رغباته. والأهم أنه يتعلم كيف يعيش مع أشخاص يحبهم، لكنه لا يتفق معهم دائمًا.
هذه القدرة البسيطة ظاهريًا تصبح أكثر قيمة في مجتمع أنهكته سنوات من الصراع والانقسام. فالنزاعات الطويلة لا تهدم المباني والمؤسسات فقط، بل يمكن أن تترك أثرها أيضًا في نظرة الناس بعضهم إلى بعض: مزيدًا من الشك، وسهولة التصنيف، واستعدادًا أكبر لتحويل الاختلاف إلى خصومة.
ولا يستطيع البيت وحده إصلاح ذلك، لكنه يستطيع على الأقل ألا يعيد إنتاجه. يمكن للأسرة أن تتوقف قبل أن تورث أبناءها خصوماتها وأحكامها المسبقة، وأن تعلمهم أن اختلاف شخص معهم لا يلغي إنسانيته، وأن احترام الكبير لا يعني إلغاء الأصغر، وأن وجود رأيين داخل البيت ليس علامة على انهياره.
وربما يكون أكثر ما يشبه فيه البيت الوطن أنه لا يخلو من الخصام. لا توجد أسرة بلا خلافات، مثلما لا يوجد مجتمع بلا مصالح وآراء متعارضة. لكن الأسرة القادرة على الاستمرار ليست تلك التي لا تختلف، وإنما التي لا تجعل كل اختلاف معركة أخيرة.
داخل البيت نتعلم — أو يفترض أن نتعلم — الاعتذار والتنازل والوساطة والعفو. نتعلم أن الاعتذار لا يهدم الكرامة، وأن التسامح لا يعني نسيان الإساءة، وأن المصالحة لا تعني قبول الظلم أو إلغاء الحقوق. إنها اعتراف بأن ما يجمعنا يستحق ألا نهدمه كله بسبب ما نختلف عليه.
ولعل اليمن الكبير يحتاج إلى شيء من هذه الحكمة: أن نختلف من دون أن يصبح المختلف عدوًا، وأن نحافظ على مساحة مشتركة حتى عندما تضيق مساحة الاتفاق.
لكن هذه القيم لا تنتقل إلى الأطفال بالخطب. فالطفل لا يتعلم التسامح لأننا نطلب منه ذلك، بل لأنه يشاهد كيف نتحدث عمن يخالفنا. ولا يتعلم الإنصاف من تعريف يحفظه، بل من الطريقة التي نتصرف بها حين يخطئ القوي وحين يخطئ الضعيف. ولا يتعلم الحوار من النصائح، بل من حقه في أن يتحدث، ثم واجبه في أن يستمع.
لذلك، حين نفكر في مستقبل اليمن، من الطبيعي أن ننظر إلى السياسة والاقتصاد والتعليم والمؤسسات؛ فهناك تُصنع القرارات الكبرى. لكن هناك بناء آخر أقل ضجيجًا يجري كل يوم خلف أبواب البيوت.
هناك يتشكل الإنسان الذي سيخرج غدًا إلى المدرسة والجامعة والعمل والشارع والمؤسسة، حاملًا معه شيئًا مما تعلمه في البيت عن القوة والاختلاف والإنصاف والخصومة والمصالحة.
ولهذا ربما لا يكفي أن نسأل: أي يمن نريد أن نتركه لأبنائنا؟
علينا أن نسأل أيضًا: أي أبناء نريد أن نتركهم لليمن؟
فالبيت الصغير لن يحل أزمات اليمن الكبير كلها، لكنه يستطيع أن يسهم في تكوين أناس يعرفون أن العيش مع الآخرين لا يشترط أن يكون الآخرون نسخًا منهم.





