الإثنين، 14 سبتمبر 2026 | الموافق ١ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ
الرأي

تعز.. من الدفاع الى استعادة المبادرة

خطاب الحوثي الاخير.. التمسك بخيار الحرب

لم تكن الايام الماضية سهلة على القوات الحكومية، خصوصاً بعد التطورات التي شهدها الساحل الغربي ووصول الحوثيين الى المخا، وما رافق ذلك من ارتباك ميداني واعلامي حاولت الجماعة توظيفه باعتباره تحولاً حاسماً في مسار الحرب. لكن المعارك لا تقاس بلحظة واحدة، ولا تحسم نتائجها بالسيطرة على مدينة او موقع، وانما بقدرة كل طرف على مواصلة التقدم وفرض معادلاته على الارض.

ما يجري في تعز يستحق قراءة مختلفة. فاستعادة القوات الحكومية مواقع غربي المحافظة، والتقدم باتجاه جيل بني عمر، بالتزامن مع استمرار المواجهات في الكدحة ومقبنة والضربات الجوية على مواقع الحوثيين في الساحل، تعكس بداية انتقال المعركة من مجرد احتواء الهجوم الى محاولة استعادة زمام المبادرة.

وهنا تتضح اهمية تعز. فالمحافظة تعد مساحة استراتيجية واحدى اهم بوابات النصر في معركة استعادة الدولة، ليس فقط لما تمثله جبهاتها من ثقل عسكري، بل لموقعها الذي يجعلها حلقة وصل بين جبهات الداخل والساحل الغربي.

ومن هنا، فإن توحيد جهود القوات الحكومية في تعز مع تشكيلات الساحل الغربي يمكن أن يحول الضغط من جبهات متفرقة الى مسار عسكري متكامل، يحد من قدرة الحوثيين على تثبيت مكاسبهم في الساحل او مواصلة التوسع، ويفرض عليهم توزيع قواتهم والدفاع عن مواقعهم بدلاً من الاحتفاظ بزخم الهجوم.

المطلوب الآن ليس مطاردة انتصار اعلامي، ولا التقليل من حجم الخسارة التي حدثت في الساحل، بل البناء على التحركات التي بدأت تستعيد زمام المبادرة. فاستعادة المواقع ليست هدفاً بحد ذاتها؛ قيمتها الحقيقية في أن تصبح جزءاً من خطة اوسع تستعيد التوازن، وتفتح مسارات ضغط متزامنة، وتمنع الحوثيين من تثبيت مكاسبهم او تحويلها الى امر واقع دائم.

وفي هذه المعركة، لا تقل الحرب النفسية اهمية عن الميدان. فالحرب كرّ وفرّ، والتفريق بين الوقائع والشائعات ضرورة لا تقل عن اهمية التحرك العسكري. وما تنشره وسائل اعلام الحوثيين والاعلام المتحالف معها عن تقدم ميداني ينبغي التعامل معه بحذر، والتحقق منه والرد الفوري على المعلومات المضللة.

وفي المقابل، فإن المبالغة في تصوير اي تقدم للقوات الحكومية تضر بالمصداقية؛ فالثقة لا تبنى بالتهوين من الخسائر ولا بتضخيم الانتصارات. المطلوب وعي دقيق بالميدان، واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية والموثوقة، بما يعزز ثقة الرأي العام ومؤازرته للمعركة. نعم، هناك خسائر وتحديات، لكن هناك ايضاً تحركات عسكرية حكومية تشير الى امكانية استعادة المبادرة، وقدرة على الرد وإعادة التموضع واستعادة المواقع.

تعز اليوم امام مواجهة مصيرية لليمن، فهي احدى اهم بوابات النصر في معركة استعادة الدولة. والخطر ليس في أن تبقى جبهة دفاعية تستنزف القوات فحسب، بل في الا تتحول الى نقطة انطلاق لإعادة تشكيل المبادرة العسكرية.

والفرصة ما زالت قائمة، لكنها تحتاج الى قرار موحد، وتنسيق عملياتي، وقيادة ميدانية تعرف أن الرد على الحوثيين لا يكون بالاكتفاء باحتواء هجماتهم، بل بتحويل المعركة الى ضغط مستمر، وتشتيت قدراتهم، وإرباك خطوط تحركهم.