لم تكن المعضلة التي وضع الحوثي الهاشميين في قلبها مجرد معركة على السلطة، بل عملية إعادة تعريف للهوية نفسها. فقد أخذت اسرة الحوثي مكونا اجتماعيا متنوعا في مواقفه ومصالحه.
وأعادت تقديمه داخل مشروع سياسي يقوم على فكرة الحق السلالي في الحكم، ثم ربطت هذا الحق بمفهوم الولاية والطاعة والاصطفاف العقائدي. وبذلك لم تعد الهوية الهويه الهاشميه مجرد انتماء اجتماعي أو نسب تاريخي، وإنما تحولت داخل خطاب الجماعة إلى رأسمال سياسي يقوم بتوظيفه في إنتاج السلطة الحوثيه وتبرير احتكارها وجرائمها .
وهنا تكمن المفارقة الأخطر.فالسلطة الحوثيه التي تقول إنها تحمي الهاشميين في الواقع هي أول من يدفع بهم إلى دائرة الخطر. واعتقد عن عمد بالغت الاسره الحوثيه الحاكمة في ربط الهاشميين بمشروعها السياسي، حتى تقلصت المسافة بين الاثنين في وعي الشعب اليمني .
ومع استمرار الحرب واتساع الخراب والدمار و الانتهاكات وتراكم الضحايا، تحول الصراع من صراع مع سلطة مليشاويه مسلحة إلى صراع مع الهوية الهاشميه، وهذه هي اللحظة التي اصبح فيها الهاشميين انفسهم رهينة للمشروع الحوثي الذي يدعى حمايتهم .
هذه هي الكلفة السياسية الحقيقية لمفهوم الولاية حين يتحول من فكرة دينية أو تراثية إلى برنامج للحكم.لقد استفاد الحوثيون من سردية تاريخية تتحدث عن الاصطفاء والحق والتمييز، ثم أعادوا إنتاجها بلغة سياسية وعسكرية معاصرة.
لم يكن الهدف مجرد إقناع الناس بعقيدة معينة، بل بناء تسلسل منطقي يجعل الطاعة السياسية امتدادا للطاعة الدينية، ويجعل الاعتراض على السلطة أقرب إلى الاعتراض على أصل مشروعية الحوثي . ومن هنا تحولت أفكار مثل الولاية والخمس والتمييز السلالي من قضايا تراثية قابلة للنقاش إلى أدوات لإعادة توزيع القوة والامتياز والموارد.
لكن هذا المشروع لم يدفع ثمنه الحوثيون وحدهم.ففي المجتمعات التي تطول فيها الحروب كاليمن ، لا تبقى الهويات السياسية منفصلة عن الهويات الاجتماعية. ومع كل جبهة جديدة، وكل قتيل، وكل منزل دمر، وكل حالة اعتقال أو إقصاء، يتراكم في الذاكرة اليمنية رصيد من الغضب. وعندما تتطابق في الوعي الشعبي هوية اجتماعية هاشميه مع السلطة الهويه الحوثيه التي مارست العنف باسمها، يصبح خطر التعميم أكبر من قدرة العقل السياسي على ضبطه.
وهنا يجب التمييز بين حقيقتين لا يجوز دمجهما.الأولى أن المسؤولية عن الجريمة مسؤولية فردية وسياسية وقانونية، يتحملها من أمر ونفذ وحرض ومول وشارك، ولا يجوز تحويل النسب إلى دليل إدانة.
والثانية أن المكون الاجتماعي الهاشمي يتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية عن موقفه من المشروع الحوثي الذي يدعي تمثيلها، بقدر ما تستطيع التعبير عن موقف مستقل منه. وهذه المسؤولية لا تعني تحميل كل فرد خاشمي جرائم اسرة الحوثي، وإنما تعني أن الصمت الطويل أو التواطؤ أو الاستفادة من الامتيازات السياسية ليست أفعالا بلا آثار. او تنتهي بالتقادم .
ومن هنا فإن اختزال الهاشميين في الحوثيين خطأ سياسي وأخلاقي، لكنه في الوقت نفسه لا يلغي حقيقة أن الحوثيين نجحوا في بناء هذا الربط في الوعي العام.
فثمة هاشميون رفضوا الجماعة، وآخرون غادروا مناطق سيطرتها، وآخرون دفعوا ثمنا بسبب اعتراضهم عليها، كما أن مواقف الأفراد داخل أي جماعة اجتماعية ليست واحدة. غير أن المشكلة تكمن في أن هذه المواقف المتباينة لم تتحول إلى قوة اجتماعية وسياسية ،قادرة على إنتاج مسافة واضحة بين الهاشميين كمكون اجتماعي وبين المشروع الحوثي كمشروع سلطة.دموي
وهذه المسافة هي الحلقة المفقودة.فالهوية التي لا تستطيع إنتاج استقلال سياسي عن السلطة التي تتحدث باسمها تصبح عرضة لأن تستخدمها السلطة، ثم تصبح عرضة لأن تحاسب اجتماعيا بسبب تلك السلطة. وهنا يجد الهاشمي اليمني نفسه أمام معادلة قاسية: كلما ازداد التصاق الهوية الهاشميه بالمشروع الحوثي، ارتفعت كلفة الانفصال عنه مستقبلا، ليس فقط على مستوى السلطة، بل على مستوى العلاقة مع بقية المجتمع.اليمني
المشكلة إذن ليست أن اليمنيين اكتشفوا فجأة وجود هاشميين بينهم، بل أن مشروع الحوثيين أعاد وضع النسب في مركز المجال السياسي بعد عقود من تطور الفكرة الجمهورية التي نقلت أساس الشرعية من السلالة إلى المواطنة.
وهذا هو جوهر الصراع.الجمهورية لا تعني إلغاء الأنساب، كما أن المواطنة لا تعني مطالبة الإنسان بالتخلي عن جذوره. إنما تعني ببساطة أن النسب لا يمنح صاحبه حقا سياسيا إضافيا، كما لا يمنحه حصانة من القانون، ولا يجعله مواطنا من درجة أعلى أو أدنى.
ومن هذه الزاوية يصبح مفهوم الولاية أكثر من مجرد شعار ديني. إنه اختبار لفكرة الدولة نفسها: هل مصدر السلطة هو المواطن والقانون والمؤسسات، أم الانتماء والنسب والاصطفاء؟
إذا بقي هذا السؤال بلا حسم، فإن اليمن لن يخرج من الحرب، حتى لو انتهت المعارك.
لأن سقوط سلطة الحوثي لا يعني تلقائيا سقوط البنية الفكرية التي أنتجت هذه السلطة. وقد يكون الخطر الأكبر في مرحلة ما بعد الحوثيين أن ينتقل المجتمع، من مواجهة الاستبداد إلى مواجهة مكون اجتماعي بأكمله، وأن تتحول الجرائم التي ارتكبتها جماعة سياسية إلى تهمة موروثة يلاحق بها أشخاص لم يرتكبوها.
وهنا تحديدا يمكن أن يبدأ موسم الدم الذي لا ينبغي أن يبدأ.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد انهيار أي سلطة عقائدية هو أن يبحث المجتمع عن بديل للعدالة في الثأر. وحين تغيب الدولة، يتحول الضحية إلى قاض، ويتحول الغضب إلى معيار للحكم، ويصبح النسب الهاسمي كله بديلا عن المسؤولية الفرديه لاسرة الحوثي . عندها لا يعود سقوط الجماعة نهاية للصراع، بل يصبح بداية دورة جديدة منه.
لذلك فإن تفكيك المشروع الحوثي لا ينبغي أن يعني الانتقال من سلطة سلالية إلى انتقام اجتماعي مضاد، بل الانتقال من منطق الجماعات إلى منطق الدولة.
وهذا يتطلب منذ الآن الفصل الصريح بين ثلاثة مستويات: الحوثي بوصفه تنظيما سياسيا وعسكريا، والأفراد الذين شاركوا في الجرائم أو استفادوا منها، والهاشميين بوصفهم مكونا اجتماعيا لا يحمل أفراده مسؤولية جماعية عن أفعال غيرهم.
هذا الفصل ليس تسوية سياسية مع الحوثيين، ولا عفوا عن الجرائم، وإنما هو شرط لبناء عدالة قابلة للحياة.
وفي المقابل، يحتاج الهاشميون أنفسهم إلى مواجهة السؤال الذي لا يمكن تأجيله: ماذا يريدون أن تكون عليه علاقتهم بالدولة اليمنية؟
إذا كانت الإجابة هي المواطنة المتساوية، فإن ذلك ينبغي أن يتحول من موقف دفاعي إلى مشروع سياسي واجتماعي واضح: الاعتراف بأن النسب لا ينتج حقا في الحكم، وأن السلطة لا تورث، وأن الوظيفة العامة ليست امتيازا سلاليا، وأن أي مواطن لا يملك حقا سياسيا إضافيا بسبب أصله، كما لا يجوز أن يفقد حقوقه بسبب أصله.
أما البقاء في المنطقة الرمادية، حيث يجري رفض بعض ممارسات الحوثيين مع الاحتفاظ بالمرتكز الفكري الذي منح الجماعة مبررها السياسي، فلن يحل المشكلة. لأن المجتمع لا يستطيع بناء دولة حديثة بمفاهيم متناقضة: جمهورية في شكل الدولة، وسلالة في مصدر الشرعية.
إن الهاشميين أمام لحظة تاريخية لا تتعلق بالدفاع عن جماعة أو نسب، بل بإعادة تعريف موقعهم داخل اليمن الجمهوري. والخروج من المأزق لا يكون بطلب حماية استثنائية، ولا بمحاولة تبرئة جماعية، وإنما بالمشاركة في بناء قاعدة سياسية تقول بوضوح إن اليمنيين متساوون في الحق والواجب، وإن المسؤولية عن الجريمة لا تورث، وإن السلطة لا تستمد شرعيتها من الدم ولا من النسب.
وهنا تكمن الحقيقة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الحرب: الحوثيون قد يكونون قد استخدموا الهاشميين لحماية مشروعهم، لكن استمرار ربط الهاشميين بهذا المشروع سيجعلهم هم أيضا من يدفع ثمنه بعد سقوطه.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين هاشمي وغير هاشمي، وإنما بين منطقين سياسيين: منطق يجعل الأصل الاجتماعي طريقا إلى السلطة، ومنطق يجعل المواطنة أساسا لها. فإذا انتصر منطق الدولة، أمكن لليمنيين أن يحاكموا الجريمة دون أن يحاكموا النسب، وأن يحاسبوا المجرم دون أن يعاقبوا جماعة، وأن يطووا صفحة الحرب دون أن يفتحوا صفحة جديدة من الثأر.
أما إذا فشلوا في هذا الفصل، فقد يسقط مشروع الولاية، لكن تبقى آثاره كامنة في المجتمع، ويصبح الدم الذي سفك باسم السلالة سببا في دم جديد يسفك باسم الانتقام منها.
وهنا تحديدا لا يكون الخطر في سقوط مشروع الولاية وحده، بل في أن يرث المجتمع منطقه نفسه: جماعة مذنبة بالانتماء، وجماعة مستحقة للعقاب بالانتماء.عندها لن تكون الجمهورية قد انتصرت فعلا.ستكون الحرب فقط قد غيرت
اسم الضحية.





