كيف ارتفعت أسعار العقارات في صنعاء بنسبة 900% خلال عشرة أعوام، في بلدٍ يعاني نكسةً اقتصادية وتراجعاً في الناتج القومي الإجمالي إلى حدود النصف؟
كان سعر اللبنة الواحدة في أفضل أحياء العاصمة صنعاء يبلغ 5 ملايين ريال يمني كحد أقصى في العام 2014. واليوم، وفقاً للبيانات المفتوحة وشهادات وكلاء العقارات، تراوح سعرها بين 35 مليون ريال (بقيمة الريال في صنعاء) إلى 50 مليون ريال في شوارع تقع في قلب العاصمة مثل «حدة» و«هائل»، ووصل إلى 12 مليون ريال في مناطق مثل «دار سلم».
عملياً، يبلغ متوسط سعر اللبنة في مدينة الرياض حالياً ما يعادل 9 ملايين ريال يمني (بمعادلة قيمة الريال في صنعاء)؛ فلماذا غدت أسعار العقارات في صنعاء أعلى بأضعاف مضاعفة؟
الإجابة البسيطة التي يمكن تقديمها هي ظهور طبقة جديدة ميسورة أثرت من الحرب، وبسبب عجزها عن إخراج أموالها إلى الخارج، اتجهت لشراء الأراضي والبيوت في مدينة مهددة بالجفاف، حتى ارتفعت الأسعار بشكل يفوق عواصم ومدناً عربية أخرى.
في صنعاء، تصل أسعار الشقق في بعض الأبراج إلى 200 ألف دولار، وهي شقق في مبانٍ تفتقر لأبسط الخدمات، فلا مواقف سيارات، ولا حدائق، ولا متنفسات. كانت الأسعار مرتفعة قبل هذه الحرب، لكنها اليوم باتت أكثر جنوناً ولا تعكس أي قيمة سوقية حقيقية.
بل إن بعض صفقات بيع العقارات بلغت أرقاماً فلكية وصلت إلى مليار ريال.
الجانب الآخر والمظلم من هذه الحكاية هو سياسة إحلال اجتماعي، الناتجة عن تراكم ثروة مهولة بيد ثلة أثرت من الحرب واستغلال السلطة الجديدة. هذا الفساد اللامرئي -الذي يخفي عمقا اجتماعيا يكمن في تمكنين شريحة أسرية - لم يجد -حتى الآن- رصداً إعلامياً كافياً، ولا دراسة جادة، ولا حتى تغطية نقدية وازنة.
المتابع لما يدور في صنعاء في جانب العقارات الان يمكنه فهم توزيع الحيازات في الأراضي والأطيان في اليمن عبر التاريخ. وكيف ان الحيازات تقع في أيدي عدد قليل من الناس يصادف الأمر ان تكون بحوزتهم سلطة دينية اجتماعية. فهناك علاقة عللية مباشرة بين الثروة والسلطة الدينية.
ومن المفارقات الطريفة، أنني شاهدت شاباً من أبناء تعز يظهر عبر إحدى القنوات التابعة لجماعة الحوثي ضمن سياسة التعبئة والدعاية، يخاطب أبناء مدينته قائلاً: «قبل أن تفكروا بحمل السلاح لمواجهة الحوثي، تذكروا أنكم تدافعون عن أفراد يتربحون من هذه الحرب ويشترون العقارات في القاهرة».
المتحدث -رغم انتمائه لتعز- يعيش في مناطق سيطرة الحوثيين ويشكل جزءاً من ماكينتهم الدعائية. وتبدو جملته تلك -في ظاهرها- عقلانية وإنسانية وثورية، لكنها تخفي خلفها أمراً آخر:
تخفي حقيقة أن معظم أملاك اليمنيين في القاهرة وعواصم العالم تعود لرجال أعمال فروا بأموالهم من صنعاء هرباً من بطش الحكم القائم، كما تخفي رغبة موجهة للتركيز الحصري على فساد الشرعية -وهو أمر لا يمكن الدفاع عنه بطبيعة الحال- مع التغاضي الكامل عن فساد النخبة الحاكمة في صنعاء.





