متى كانت آخر مرة قلنا فيها ما نؤمن به دون أن نخشى عواقب كلماتنا؟ ومتى اتخذنا قرارًا لأننا أردناه حقًا، لا لأننا خفنا مما سيقوله الآخرون؟ بل متى كانت آخر مرة سألنا أنفسنا: هل هذه الحياة التي نعيشها هي حياتنا فعلًا، أم أنها المساحة الصغيرة التي تركها لنا الخوف؟
ثمة مخاوف لا نشعر بها لأنها أصبحت جزءًا من طريقة تفكيرنا. تسكن صمتنا، وتختبئ خلف مجاملاتنا، وترافق قراراتنا حتى نظن أننا نختار بحرية، بينما نحن في الحقيقة نتجنب ما تعلمنا أن نخشاه.
والسؤال ليس لماذا نخاف؛ فالخوف جزء من طبيعتنا البشرية، وقد يكون ضرورة لحمايتنا. السؤال الأعمق هو: متى يتحول الخوف من شعور يحمينا إلى قوة خفية تحدد من نكون، وكيف نفكر، ومن نحب، ومن نرفض؟
نحن لا نولد حاملين كل هذه الجدران داخلنا. نبنيها مع الوقت، أو تُبنى لنا باسم الحماية والحب والتقاليد. منذ الطفولة نسمع: لا تسأل كثيرًا، لا تختلف، لا تثق بالغرباء، لا تتجاوز حدودك. وربما كان من يردد هذه العبارات يخاف علينا بصدق، لكنه لم ينتبه إلى أنه كان يورثنا شيئًا من خوفه أيضًا.
وهكذا يكبر الطفل، ويكبر معه حارس خفي في داخله. حارس لا يحتاج إلى سلطة تأمره بالصمت، لأنه تعلم متى يصمت من تلقاء نفسه، ولا يحتاج إلى من يمنعه من الحلم، لأنه أصبح يعرف كيف يصغّر أحلامه حتى تتناسب مع حدود المسموح.
وهنا تبدأ واحدة من أعمق مآسي الإنسان: أن يعتاد القيود إلى الحد الذي يتوقف فيه عن رؤيتها.
وفي اليمن، ليس الخوف فكرة معلقة في الهواء. إنه تجربة تسكن البيوت والذاكرة. نراه في عيون أم تتأخر عليها عودة ابنها، وفي أب يخفي عجزه وقلقه حتى لا ينكسر أمام أسرته، وفي شاب يحمل شهادة وأحلامًا كثيرة، لكنه لم يعد يعرف أين يضع خطوته الأولى.
لقد تعلمنا من قسوة السنوات أن نحذر، وأن نحسب احتمالات الخسارة قبل احتمالات النجاح. وليس من العدل أن نطالب إنسانًا أنهكته الأزمات بأن يتصرف وكأن العالم آمن. لكن الخطر يبدأ حين تتجاوز مخاوفنا حدود الظروف التي صنعتها، فتصبح عدسة ننظر من خلالها إلى الحياة كلها.
عندها لا نخشى الألم وحده، بل نخشى الفرح لأنه قد لا يدوم. ولا نخشى الفشل فقط، بل نخشى المحاولة لأنها قد تكشف ضعفنا. وقد نعتاد توقع الأسوأ حتى تصبح الطمأنينة نفسها شعورًا غريبًا لا نثق به.
غير أن هناك وجهًا آخر للخوف، أشد خفاءً وأعمق أثرًا: أننا قد نتحول، دون أن نشعر، من ضحايا له إلى أشخاص يعيدون إنتاجه.
نخاف أن يفرض الآخرون علينا الصمت، ثم نطالب أبناءنا بألّا يناقشونا. نتألم حين يُساء فهم اختلافنا، ثم نستعجل الحكم على المختلفين معنا. نشتكي من ضيق المساحات التي يُسمح لنا فيها بأن نكون أنفسنا، ثم نضيّق تلك المساحات على من يعيشون حولنا.
وكأن الإنسان، حين يعجز عن هدم الجدار الذي حاصره، قد يجد نفسه يبني جدارًا مشابهًا حول غيره.
وهنا يصبح الخوف أكثر من مشكلة نفسية؛ يصبح سؤالًا أخلاقيًا: هل يكفي أن نطالب بحقنا في الأمان، بينما نجعل الآخرين يخشون التعبير عن أنفسهم أمامنا؟ وهل نستطيع أن نسمي أنفسنا أحرارًا إذا كنا لا نحتمل حرية من يختلف معنا؟
ربما كان كثير من التعصب الذي نشهده ليس تعبيرًا عن قوة القناعة، بل عن الخوف من مراجعتها. فالإنسان الواثق مما يؤمن به لا يحتاج دائمًا إلى إسكات الآخرين ليطمئن إلى أفكاره. أما حين نربط كرامتنا بانتصار آرائنا، فقد يبدو لنا كل سؤال تهديدًا، وكل اختلاف معركة ينبغي كسبها.
لكن الحقيقة لا تصبح أقل قيمة حين نتساءل عنها، والإنسان لا يفقد جذوره حين يفتح عقله لفهم الآخرين.
لعل ما نحتاج إليه هو أن نتعلم النظر إلى من يختلفون معنا دون أن نختزلهم في أفكارهم أو انتماءاتهم. أن نتذكر أن وراء كل وجه حكاية لا نعرفها، وخسارات لم نشهدها، ومخاوف قد تشبه مخاوفنا. وأن كرامة الإنسان لا تبدأ من اتفاقه معنا، بل من إنسانيته التي تسبق كل اختلاف.
هذا الوعي لا يولد من الشعارات، بل من شجاعة المراجعة. أن يسأل الأب نفسه إن كان يربي أبناءه على الاحترام أم على الخوف منه. وأن يسأل المعلم إن كان يفتح أمام طلابه أبواب التفكير أم يكافئهم على ترديد الإجابات. وأن نسأل جميعًا: هل نبحث عن الحقيقة فعلًا، أم نبحث عما يؤكد أفكارنا القديمة؟
ليست الشجاعة غياب الخوف، ولا التحرر منه قرارًا نتخذه في لحظة حماس. فقد يحتاج الإنسان إلى سنوات ليتخلص من فكرة واحدة زرعت في داخله وهو طفل. لكن بداية التغيير تحدث حين ندرك أن ما ورثناه ليس بالضرورة قدرًا، وأن بإمكاننا احترام ماضينا دون أن نسلم إليه مستقبلنا.
واليمن الذي نحلم به لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الطرق والمدارس والمنازل، بل إلى إعادة بناء الثقة بين الناس. إلى بيوت لا يخشى فيها الطفل السؤال، ومدارس لا يخاف فيها الطالب الخطأ، ومجتمع لا يشعر فيه الإنسان أن اختلافه يسلبه حقه في الاحترام.
فالأوطان لا تتعافى تمامًا حين تتوقف أصوات الصراع في الخارج، إذا ظلت أصوات الخوف تحكم ما بداخلنا.
وربما لا نملك القدرة على تغيير كل ما حولنا، لكننا نملك أن نبدأ بسؤال بسيط وصعب في آن واحد: هل يشعر من يعيشون معنا بالأمان في حضورنا؟ هل يستطيعون أن يختلفوا معنا دون أن يخشوا فقدان محبتنا أو احترامنا؟
قد يكون هذا السؤال أكثر صدقًا من كل حديثنا عن الحرية والتسامح.
وفي النهاية، ربما لم تكن مأساتنا أننا تعلمنا الخوف، بل أننا اعتدناه حتى ظنناه جزءًا من هويتنا، ثم بدأنا نورثه لمن نحب، معتقدين أننا نحميهم.
لكن الإنسان ليس مجرد امتداد لمخاوف من سبقوه. فيه قدرة على الوعي، وعلى مراجعة ما تعلمه، وعلى اختيار ما يستحق أن يحمله معه إلى المستقبل.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس عالمًا خاليًا من الخوف، فهذا قد لا يكون ممكنًا، بل قلوبًا لا تجعل خوفها سببًا لإيذاء الآخرين، وعقولًا تعرف أن الاختلاف ليس خطرًا، وشجاعة تمنحهم الحق في أن يكونوا أنفسهم.
فالسؤال الذي يستحق أن نتركه مفتوحًا ليس فقط: هل نحن مبرمجون للخوف؟ بل: هل نملك من الوعي والمحبة ما يكفي لنكون الجيل الذي يتوقف عنده توريثه؟





