لا يمكن لحرب في اليمن أن تضاف إلى قائمة الحروب المنسية. منذ العام 1989، العام الذي سقط فيه جدار برلين، شهد العالم حوالي 350 حرباً، أغلبها حرباً داخل ذات الدول. غالبية تلك الحروب تصنف حروباً منسية، أمكن للعالم أن يتجاهلها ويمضي في سبيله. إذا ما استثنيا أميركا الشمالية فقد شملت تلك الحروب الكوكبَ بأسره.
يمكن لليمن أن يأخذ شكل "أفغانستان على البحر"، كما وصفته نيوزويك قبل عقد ونصف من الزمان. البلد الذي أخذ ركناً خطراً في الجزيرة العربية، بل كان بوّابة عبور الإنسان الأول من أفريقيا إلى آسيا ثم أوروبا، يمكن تجاهله سلامه لا حربه.
قبل سنوات طويلة قيل عن ذلك البلد أن أهميته لا تتجاوز سطراً واحداً في وسائل الإعلام. كان ذلك سوء تقدير شديد لأهمية البلد من أكثر من ناحية. بالإضافة إلى محاذاته لبحرين ومحيط، وإطلالته على أحد أهم مضايق العالم، هو أيضاً الكتلة الديموغرافية الأكبر في الجزيرة العربية، بعدد من السكّان يتجاوز الأربعين مليوناً.
حياة هذا العدد الكبير من البشر داخل أرض فككتها الحروب هو تهديد لأمن الإقليم، أمن الملاحة، ولأي منظومة أمن واستقرار في دائرة قطرها ألفي كيلو متراً.
اليمن في مركز منطقة بالغة الحساسية في العالم. يشكل الاحتياطي النفطي للخليج والعراق حوالي 37% من الاحتياطي العالم من النفط، بعدد يقدر بـ 1.8 تريليون برميل. لن يختفي النفط من العالم، كما ليس بمقدور البشرية تجاوز هذا الكنز.
تسمّي الاتفاقيات المناخية العام 2050 بحسبانه عام "الحياد الكربوني"، وهو العام الذي سيشهد انخفاضاً كبيراً في الطلب على النفط من أجل "الاحتراق وتوليد الطاقة".
الصناعات البتروكيماوية، الصناعات الثقيلة، والنقل المعقد، ستبقى معتمدة على النفط. منطقتنا، إجمالاً، ستبقى أحد أهم مراكز العالم، تلعب الطاقة الأحفورية دوراً في هذه الأهمية. هي أيضاً مصدر الديانات السماوية، ومعترك الحضارات القديمة، المنطقة الوسط بين أوروبا وآسيا وأفريقيا.
هذه البقعة من العالم لا يمكن غض الطرف عنها، سرعان ما أثبت سياسة أوباما Pivot east أو الاتجاه شرقاً سذاجتها. لطالما قيل إن أهميتها تكمن في أمرين اثنين: النفط وإسرائيل. الحق أن الأهمية تتجاوز هذين الموضوعين إلى التاريخ والجغرافيا. هنا يأتي اليمن كمسألة جغرافية بالغة التعقيد في ذاتها، ولأنها صارت إلى جزء من حزام النار المشتعل من بندر عبّاب إلى المخأ.
في الأيام الماضية من الحرب قرأنا أسماء جبال في وسط اليمن توصف بالاستراتيجية. الجغرافيا تحكي حين تنهار السياسة ويتيه المجتمع. في ستينيات القرن الماضي قاتلت السعودية إلى جوار الملكيين ضد الجمهورية، والآن تقف إلى جوار الجمهورية.
تتغير الطبيعة السياسة للبلد، غير أن الثابت فيها هو أهميتها الحساسة بالنسبة لأمن الإقليم، وبالضرورة العالم. يرى غوزانسكي وفريقه، في مقالة مشتركة على نظرة عليا، إن سيطرة الحوثيين على باب المندب يسهم في استكمال "الكماشة البحرية" حول الجزيرة العربية. بالنسبة لغوزانسكي فالحوثي ليس بحاجة إلى إغلاق المضيق. يكفي فقط أن يشكل تهديداً مستمراً لحركة الملاحة وجعل طرق التصدير غير موثوقة، ليحصل على أوراق ضغط تفوق قدرته العسكرية.
المشكلة اليمنية سرعان ما صارت إلى مشكل دولي معقّد. الأرضية الطائفية التي تشكل المنطلق الفلسفي لمعارك الحوثي تجعل المسألة اليمنية أكثر تعقيداً مما يراه الناظر من بعيد. دعونا نقتبس ملاحظة كتبها فهمي هويدي قبل أكثر من 15 عاماً: يمثّل الحوثيون أقليّة داخل أقلية، داخل أقلية. هكذا يبدو البناء: الحوثية أقلية داخل الهاشمية، الهاشمية أقلية داخل الزيدية، الزيدية أقلية داخل المجتمع المدني.
قفز الحوثيون على كل هذه الحواجز وقرّر أن يحكم البلد. لا يمكن لمنظومة حكم تتأسس على هذا النحو إلا أن تحاط بحقيقتين اثنتين: الحاجة إلى الطغيان كوسيلة واحدة للحفاظ على السلطة، والرفض الشعبي المستدام.
حين يتعلق الأمر بمنظومة الحكم الحوثية فإن البعد الطائفي- العنصري يمثّل عنصر لا-استقرار مستدام. خصوصاً والحوثي يصرّ على مصادرة الفضاء العام طائفياً. فلم يمض على دخول مدينة التربة، في مدينة تعز، سوى بضعة أيام حتى كان جهازه الدعوي قد اعتلى المنابر وبدأ يخطب في الناس حول فضيلة آل البيت وحقهم المطلق في السلطة. ثم، فيما يشبه مانيفيستو النصر، أذّن المؤذن بالنص المعتمد لدى الطائفة.
الخطاب الدعائي الحوثي،يقتات من النسخة التي تمتلكها الحوثية من الدين. بهذا يصبح الحوثيون جزء من حلقة النّار التي أسستها إيران حول المنطقة، وهي حلقة أكثر خطورة من الكمّاشة البحرية. الحوثية، إذاً، ظاهرة عابرة للحدود، رصاصة تطلق في اليمن وتطيش في كل المنطقة، ولا نبالغ إذا قلنا: والعالم.
هذه الصورة البانورامية تساعدنا على القول إن الحرب اليمنية لن تذهب إلى قائمة الحروب المنسية.





