الخميس، 15 أكتوبر 2026 | الموافق ٣ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

النصر الصامت.

إيران... حين عاد الرماد إلى مُشعل النار .

في عتمة المأساة التي تعصف باليمن، ووسط ضجيج الشعارات الزائفة التي تحاول جماعة الحوثي فرضها بقوة السلاح، تولد حقيقة واحدة لا تقبل التأويل بأن اليمن لن يستسلم، وسيقاوم هذا الكهنوت حتى آخر رمق.

إن ما يظنه الحوثي استقراراً أو تقدماً في جبهات الساحل الغربي أو على أطراف تعز الصامدة، ليس سوى وهم ، والثمن الذي سيدفعه في هذه المناطق سيكون باهظاً ومزلزلاً؛ فالجمر يتقد تحت الرماد، والهدوء الحالي ليس إلّا ملامح النصر الصامت الذي يُطبخ على نار الغضب والكرامة والرفض المطلق لجرائم لا يمكن للتاريخ أن يغفرها.

إن هذا الكابوس الحوثي لا يستمد بقاءه إلا من خلال سحق المظلومين القابعين تحت وطأة سيطرته الفاشية، حيث تحولت المدن والقرى إلى سجون مفتوحة يُمارس فيها التنكيل والترهيب، وتُصادر فيها الأقوات, ويُساق فيها الأبرياء إلى المعتقلات لمجرد رفضهم الانصياع للفكر السلالي الدخيل.

ولم تتوقف بشاعة هذه الجماعة عند حدود قمع الكبار، بل امتدت يدها الآثمة لتنهش براءة الطفولة، عبر اقتياد الأطفال من مقاعد الدراسة والملاعب وإقحامهم بالقوة في محارق الموت وجبهات القتال، مغتصبة طفولتهم ومستقبلهم لتجعل منهم وقوداً لحرب عبثية لا ناقة لهم فيها ولا جمل، لتصل الجريمة إلى ذروة السقوط الأخلاقي والإنساني بإقحام البشرية برمتها وتحويل المدنيين والمجتمعات الآمنة إلى دروع بشرية وأدوات لمشروع كهنوتي مظلم.

وأمام هذا الطغيان الجارف، فإن معركة اليمنيين اليوم لم تعد مجرد مواجهة عسكرية في ميدان واحد، بل هي ملحمة كفاح تُدار بكل الاتجاهات وبأدوار تتكامل لتصنع لحظة الخلاص الحتمي من خلال جبهات متعددة يشد بعضها بعضاً.

فهناك أبطال مرابطون في ثغور القتال لا يتوقفون عن قضم قدرات العدو واستنزاف مخزونه البشري والعسكري يومياً، وجعل كل شبر يتقدم فيه مستنقعاً يغرق فيه ومقبرة لقراراته الطائشة. وفي ذات الوقت، تعمل خلف الخطوط عقول وسواعد بصمت وصبر لإعادة ترتيب الصفوف، وتجميع الشتات، ووضع الخطط ليوم الحشر العسكري والوطني المشهود الذي لن يجد فيه الحوثي شبراً في أرض اليمن يهرب إليه أو يحتمي به من غضبة الشعب وسخطه.

وحتى أولئك الذين أثقلتهم الجراح، أو عانوا من ظلم السيطرة الحوثية، أو ذاقوا مرارة انكسار عابر في جولة من الجولات، لم يموتوا؛ بل إنهم يتنفسون اليوم أكسجين الاشتياق لاستعادة الحرية، ويأخذون نفساً عميقاً يملأ صدورهم بالقهر الذي سيتحول قريباً إلى طاقة جارفة تنزع الحرية نزعاً من سطوة الكهنوت.

ويتكامل هذا المشهد النضالي مع ملايين النازحين في مخيمات الشتات الذين هُجِّروا من بيوتهم فراراً من الجحيم، والذين لا يمثلون مجرد ضحايا، بل هم جيش من المنتظرين الذين يحصون الأيام والساعات للعودة، ليس فقط لفتح أبواب منازلهم، بل لأخذ ثأرهم وكرامتهم واستعادة جمهوريتهم المسلوبة.

إن تقدم الحوثي في مناطق الساحل الغربي وتعز المحاصرة ليس نهاية التاريخ، بل هو توسع هش يسهل كسره عندما تدق ساعة الصفر، فتعز التي قاومت الحصار لسنوات باللحم الحي، والساحل الذي يرفض الانصياع، يمثلان شواهد حية على أن الروح اليمنية غير قابلة للاستعباد، وأن أنين المظلومين وصرخات الأطفال المختطفين إلى الجبهات ستتحول إلى صواعق تحرق عروش الطغاة.

هذا هو النصر الصامت الذي ينمو في قلوب الأمهات الثكالى، وفي عقيدة المقاتلين، وفي عيون النازحين والمنتهكة حقوقهم؛ إنه الإعصار الوطني الذي يجمع قواه خلف السكون، حيث يتحرك اليمنيون بمختلف أدوارهم ومآسيهم نحو هدف واحد لا حياد عنه لغسل عار الخذلان، ودحر الانقلاب، وإعادة اليمن حراً، جمهورياً، وعربياً خالصاً، فالباطل مهما انتفش وتجبر، فإن مزبلة التاريخ تتسع لكل الطغاة.