المسألة ليست أن السعودية تقف بين مشروعين إقليميين مختلفين، بل أنها تواجه احتمالين لإعادة تشكيل موقعها في المنطقة، أحدهما يعيد ترتيب الإقليم من خلال منظومة أمنية واقتصادية تتقدم فيها إسرائيل بوصفها مركز متزايد التأثير.
والآخر يتوسع عبر شبكة نفوذ إيرانية تجعل السلاح والولاء العقائدي والاختراق الداخلي أدوات لإعادة رسم حدود القوة والسيادة. الخطر في الحالتين لا يقاس بالشعارات المعلنة والنقاشات المعلنة، بل بمدى ما تملكه هذه المشاريع من قدرة على تحديد خيارات الرياض وتقييد حركتها وتحويل أمنها إلى جزء من حسابات الآخرين.
الخارطة الاثني عشرية لا تتجه إلى الرياض بالدبابات فقط، بل تقترب حين تنجح طهران في بناء طوق من مراكز النفوذ المسلحة حول المجال الأمني السعودي، من العراق إلى اليمن، وتحتفظ لنفسها بأدوات ضغط قابلة للتفعيل عند كل أزمة.
وفي اليمن تحديدًا، تكمن خطورة الحوثيين في أنهم ليسوا مجرد مليشيات محدودة محلية على حدود السعوذية، بل قوة عسكرية تملك قدرات صاروخية ومسيرة وتستطيع تهديد العمق السعودي وباب المندب وخلط الأمن الوطني بأمن الملاحة الدولية، وحين تمنح هذه القوة الوقت لإعادة تنظيم صفوفها وتوسيع قدراتها مقابل تهدئة مؤقتة، فالرياض عندها لا تشتري نهاية التهديد لكنها تؤجل مواجهته إلى لحظة قد تكون شروطها أكثر كلفة وخياراتها أكثر تعقيد.
أما الخارطة الإبراهيمية، فمكمن الخطر فيها ليس في التواصل السياسي بحد ذاته، بل في احتمال نشوء بنية إقليمية تصبح فيها إسرائيل طرف محوري في تعريف التهديدات وتحديد أولويات الأمن والتكنولوجيا والتحالفات.
بينما تدفع الدول الأخرى إلى التكيف مع قواعد صاغتها موازين قوة لا تملك السيطرة الكاملة عليها، عندها قد تجد السعودية نفسها أمام معادلة معقدة جدًا كمواجهة إيران ضمن منظومة أمنية تتزايد فيها الأهمية الإسرائيلية مع مخاطر أن تتحول الشراكة من وسيلة لتعزيز الاستقلال الاستراتيجي إلى اعتماد طويل الأمد على ترتيبات لا تحدد الرياض وحدها شروطها ولا حدودها.
لكن الكفتين ليستا متساويتين في طبيعة التهديد ولا في أدواته. إيران بنت بالفعل شبكة نفوذ مسلحة تمتلك قدرة مباشرة على زعزعة الاستقرار وتهديد الحدود والممرات البحرية، بينما يرتبط الخطر في المسار الإبراهيمي من المنظور السعودي، بشروط الاندماج في ترتيب إقليمي جديد.
وبكيفية توزيع النفوذ داخله، وبما إذا كان سيمنح المملكة قدرة أكبر على حماية مصالحها أم سيقيد قرارها تدريجيًا، فالخلط بين المسارين يحجب الفارق بين تهديد عسكري قائم ومباشر، ومخاطر استراتيجية قد تنشأ من اختلال شروط الشراكة والتحالف.
والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الرياض ليس أي خارطة أكثر جاذبية في الخطاب السياسي، بل أيهما يملك أدوات فرض الوقائع على الأرض، وأين تتشكل نقاط الضغط التي يمكن أن تنتقل منها الأزمة إلى الداخل السعودي، فإيران اليوم لا تحتاج إلى احتلال السعودية كي تستنزفها، يكفيها أن تبقي حدودها الجنوبية قابلة للاشتعال وممراتها البحرية معرضة للتهديد وقرارها الأمني محكوم بحسابات الردع والتصعيد.
وفي المقابل، أي منظومة إقليمية لا تمنح السعودية استقلال فعلي في القرار، ولا تضمن مصالحها في ملفات الأمن والسيادة، لن تكون مظلة مجانية مهما بدا بريقها السياسي والاقتصادي.
لهذا، الكفة التي قد تتقدم نحو الرياض ليست بالضرورة كفة المشروع الذي يرفع الشعارات الأكثر إقناع، بل كفة الطرف الذي ينجح في فرض وقائع يصعب على المملكة تجاهلها أو تغييرها، وإذا استمر التمدد الإيراني في اليمن من دون معالجة جذرية لمصادر القوة الحوثية، فستظل طهران تملك ورقة ضغط مباشرة على الأمن السعودي.
حتى لو اتسعت شبكة التحالفات الإقليمية حول الرياض، أما إذا تحولت الشراكات الجديدة إلى تبعية أمنية أو إلى قبول بترتيبات تنتقص من حرية القرار السعودي، فستكون المملكة قد انتقلت من مواجهة ضغط إيراني مباشر إلى الوقوع داخل معادلة استراتيجية أكثر تعقيد.
الخيار السعودي الحقيقي ليس الارتماء في خارطة لمواجهة أخرى، بل منع أي منهما من امتلاك مفاتيح الأمن السعودي، وهذا يتطلب دولة يمنية قادرة على استعادة قرارها وسلاحها، وعلاقات إقليمية تقوم على المصالح المتبادلة وليس على الارتهان، واستراتيجية لا تخلط بين شراء الهدوء وإنهاء التهديد.
فالمملكة لا تستطيع منع الآخرين من رسم خرائطهم لكنها تستطيع منع تلك الخرائط من أن تتحول إلى حدود لحركتها أو إلى قيود على سيادتها، أما أخطر ما يمكن أن يحدث فهو انشغال الرياض بموازنة المشاريع الخارجية بينما تتراكم داخل محيطها الوقائع التي تمنح خصومها القدرة على ابتزازها متى أرادوا.





