الإثنين، 26 أكتوبر 2026 | الموافق ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ
الرأي

تعز.. ورطة الحوثي التي تشبه النصر!

ما يجري في اليمن ليس معركة عابرة

في الحسابات العسكرية، يسهل خلط الاستيلاء على الطرقات بالقدرة على إخضاع المدن. فالتمدد الأخير لميليشيا الحوثي نحو مديريات الشمايتين والمعافر والمواسط في ريف تعز الجنوبي.

بعد أحد عشر عاماً من استعصائها، يُقدَّم في صنعاء بوصفه نصراً استراتيجياً يطوي صفحة القلعة الأكثر تمرداً، ويضع الجماعة على مشارف باب المندب.

غير أن القراءة السياسية الباردة لموازين القوة تقول عكس ذلك: الحوثي لم يكسب تعز بالحرب، بل تسلّم جغرافيا ملغومة بصفقات انسحاب مريبة وتواطؤ بارد، وستكون كلفة تثبيت السيطرة عليها وإدارتها أمنياً وسياسياً أعلى بكثير من عائد التقدّم العسكري. وما يبدو اليوم فتحاً في حسابات صنعاء قد يتحول غداً إلى صداع مزمن في رأس سلطة صعدة.

فالأرض التي تُؤخذ بالصفقات لا تمنح الغازي شرعية، بل تورّثه مقاومة كامنة. ولعل ما يثير الابتسام في المأساة اليمنية أن قيادة الحوثي قررت هذه المرة دخول قرى الحجرية بربطة عنق سياسية.

فأعلنت «العفو العام»، وبدّلت فجأة أسطوانتها الدعائية المعهودة. فبدلاً من شعار «قتال الدواعش وأميركا وإسرائيل» الذي صدّعت به رؤوس الناس في محافظات أخرى، جمعت وجهاء القرى لتبلغهم أن المعركة هذه المرة مخصصة لـ«قتال العدو السعودي».

لكن هذا التسامح التكتيكي لم يصمد حتى صلاة الجمعة؛ إذ سرعان ما فرضت الجماعة خطباء عقائديين على مساجد قرى المنطقة، وحوّلت المنابر إلى إذاعات طائفية، بل ظهر مشرفهم يتوسط مشايخ وعدول بعض هذه المناطق وهم يرددون خلفه الهتاف الكهنوتي: «علي مولانا ولا مولى لكم، يا أهل السقيفة سوّد الله وجهكم»! فيما انشغلت ناشطات الميليشيا في صنعاء بتوديع المقاتلين المتجهين إلى تعز للاحتفال بهزيمة من وصفوهم بـ«أحفاد ابن ملجم وعبهلة العنسي».

بهذه الخفة، نقض الحوثي غزله الدعائي في أربع وعشرين ساعة، وأثبت صحة التشخيص الذي كتبه محمد المقالح، الذي عُرف بعضويته في اللجنة الثورية العليا، حين حذّر جماعته من أن التوجه نحو تعز بمنطق «القوة العارية» وأعباء «الولاية والحكم الإلهي» لن يجلب لهم سوى ملايين البشر الذين يمقتونهم، بينما تعجز سلطة صنعاء عن توفير الحد الأدنى من المعيشة والمرتبات. فالمشكلة كامنة في تصورٍ للحكم يُقدّم الولاية باعتبارها تكليفاً إلهياً، والطاعة امتثالاً تعبدياً، لا تفويضاً شعبياً قابلاً للمساءلة.

مشكلة الحوثي أنه يقرأ الخرائط العسكرية ويتجاهل الديموغرافيا والتاريخ. فإلى الشمال من قلب الحجرية ينتصب «جبل صبر»، بكتلته السكانية وذاكرته المتمردة؛ وهي بيئة وثّق الباحث بلال الطيب جانباً من صدامها مع أئمة الجباية في كتابه «حرب العصيد».

ويجد هذا التاريخ سنداً في وصف الدنماركي كارستن نيبور لاستقلال معظم مشايخ الجبل، وفي ما دوّنه الفرنسي بول إميل بوتا عن رحلته إلى جبل صبر. ومن هنا جاءت تسمية «حرب العصيد» التي أطلقها اليمنيون تهكماً؛ حين كانت جيوش الإمام تعسكر في بيوت القرى الممتنعة عن دفع الإتاوات، فتلتهم قدور العصيد وتجفف مطابخ الفلاحين لإخضاعهم بالجوع.

وفي هذه الجبال، لا تُقاس السيطرة بعدد العربات المصفحة ولا بخبرات التحصين والأنفاق، بل بصلابة المجتمع المحلي؛ من تلك المرأة الصبرية التي حملت جثمان ابنة أخيها الشهيدة، معلمة القرآن، على ظهرها صاعدةً بها في الشعاب الوعرة، إلى الجدة المسنّة «فطوم قائد عبدالملك» —جدة الزميل الإعلامي والسياسي عبدالعزيز الصبري— وهي تجلس أمام صخور «مشرعة وحدنان»، وإلى جانبها عصاها، تلوّح بسبابتها وتنشد بثقة من خبروا تقلبات الدهر أن القيامة ستقوم على طغاة صنعاء «كلمح البصر».

حتى حين تخذل السياسةُ البندقيةَ في بعض الجبهات، فإن مجتمع الحجرية يواجه الميليشيا بسلاح لا تملك له مضاداً: «المقاومة المدنية الصامتة».

فالمشروع الجمهوري الذي قاتل دونه اللواء الراحل عدنان الحمادي تحوّل اليوم إلى عصيان يومي في قرى المواسط والمعافر والشمايتين، وفي رفض المعلمين تحويل الفصول الدراسية إلى منصات لتجنيد الأطفال وتزييف الوعي، وهو رفضٌ من شأنه أن يعيق سعي الحوثي إلى هدفين حيويين: اكتساب القبول الاجتماعي، وتعويض نزيفه البشري في الجبهات.

وأمام هذا الحائط، لا يبدو الطعن في نساء تعز والتشكيك في حشمتهن سوى اعتراف دعائي بالعجز. فالجماعة التي تدخل القرى تحت لافتة قتال السعودية، ثم تفتح معارك السقيفة وعبهلة وابن ملجم، لا تعرض على الناس مشروع حكم

بل تطالبهم بتسديد فواتير تاريخ لم يعيشوه، والخضوع لوصاية لم يختاروها. وفي ملازم مؤسسها، تُرفض الديمقراطية القائمة على المواطنة لصالح مفهومٍ للولاية يحصر أهلية الحكم في آل البيت؛ وكأن البطاقة الشخصية تثبت واجبات اليمني، أما حقوقه السياسية فيحسمها النسب!

أما دفع المغرر بهم من أبناء عمران وحجة وذمار وصعدة لقتال أبناء تعز، فلن يصنع قبولاً اجتماعياً، بل يزرع ثأراً طويل الأمد بين اليمنيين، ويحمّل المجتمعات المحلية كلفة مشروع لا يترك لها من السلطة غير توابيت أبنائها.

قد يغري «فائض القوة» الحوثيين بتكرار خطيئة الجيوش التي تتوهم أن التوسع العسكري يساوي انتصاراً سياسياً، لكنهم في تعز وجبل صبر سيصطدمون بالفارق بين احتلال الموقع وحكم المجتمع: يمكنك أن تتسلّم موقعاً أخلته السياسة، لكنك لا تستطيع أن تحكم مدينة ترفضك بوعيها وذاكرتها كل صباح.