في 29 أكتوبر 2026، اجتمع نحو مئة شيخ وزعيم قبلي يمني في مقر الأمم المتحدة بجنيف لإطلاق «ميثاق الشرف القبلي اليمني لحماية المدنيين». تقول الجهة المنظمة - مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن DCAF بدعم سويسري هولندي - إن الميثاق ثمرة عامين من المشاورات وأيده خمسة آلاف من الوجهاء. ويتضمن التزامات بحماية المدنيين والأسرى والجرحى وتسهيل المساعدات وحماية المدارس والمستشفيات.
لا اعتراض على الغرض المعلن. المشكلة تبدأ بعد الغرض مباشرة: هل يتحول توقيع المشايخ إلى سلطة تمثيل وسياسة؟
هنا يجب فصل ثلاثة أشياء تختلط عمداً في الخطاب الوجاهة الاجتماعية، والقدرة على الوساطة، والقدرة على صناعة التسوية السياسية.
الأولى محدوده ، والثانية غير ممكنة ، أما الثالثة فتحتاج شروطاً لا تملكها القبيلة.
أولاً الجانب القانوني الميثاق يمنح ما لا يملك _من يلتزم؟
فالقانون الدولي الإنساني يخاطب أطراف النزاع، لا الوجاهات الاجتماعية. المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف تلزم كل طرف في النزاع باحترام الحد الأدنى من الحماية، وتشجع الأطراف على إبرام اتفاقات خاصة).
لكن القبيلة اليمنية ليست مليشيا وجيشاً ولا سلطة حاكمة ولا تنظيماً مركزياً. الشيخ يملك مكانة، لكنه لا يملك سلطة أوامر على كل مقاتل من قبيلته، ولا قدرة على معاقبة من يخالف التزاماً وقعه في جنيف. يجب التمييز إذن بين _الالتزام الأخلاقي_ الذي يعلنه الشيخ وهو مفيد، و(الإلزام الفعلي الذي يفرضه على حاجز أو سلاح وهو الذي يحمي المدني فعلاً)
● -الحماية ليست منحة
حق المدني في الحماية لا يبدأ بتوقيع الشيخ في جنيف . فالمادة الثالثة للأمم المتحده تحظر أصلاً الاعتداء على المحتجزين والجرحى والمدنيين. إذن لا يصح تقديم الميثاق كمنحة يمنحها الشيخ للناس.
القيمته الحقيقية لميثاق السرف القبلي ليست في النص ، بل في تحويل التعهد إلى إجراء قابل للقياس المعلوم انه لا يستطيع المشائخ ان يفتحوا حاجز ،او السماح بزيارة أسير، او منع تجنيد طفل، او تأمين مرور قافلة. ذلك يبقى ميثاق الشرف القبلي في جنيف حبرا على ورق عديم القيمه والجدوى والفائده.
● الجزاء بلا ضوابط
أخطر العيوب تلعبثه .ينص الميثاق على "استقبال الشكاوى والتحقيق في الانتهاكات وتطبيق جزاءات عرفية رادعة وإدانة علنية". لكنه لا يحدد من يحقق، وما هي الجزاءات، وكيف يُثبت الخطأ، وكيف يشتكي من أخطأ في اتهامه. الجزاء ليس وسيلة لإثبات الجدية، إنه *ممارسة سلطة على شخص. وإذا بقيت عبارة "جزاءات عرفية" فضفاضة، تتحول إلى وسيلة لتصفية خصومات وإسكات خصوم باسم الميثاق.
● من حماية الإنسان إلى ضبط الكلام،
البند العاشر يدعو لتجريم "الاعتداء على شرف المواطنين وسمعتهم" ومعاقبته وفق القانون والشريعة والعرف. حماية السمعة غرض مشروع، لكن العبارة واسعة ولا تفصل بين الاختلاق الكاذب والنقد المشروع ونشر معلومات موثقة عن انتهاك. وبدون هذا الفصل، قد يُستخدم البند لوصف نقد مسؤول أو شيخ بأنه "اعتداء على السمعة". هنا ينتقل الميثاق من حماية المدني من أذى الحرب إلى احتمال *ضبط ما يقوله المدني عن أصحاب النفوذ.
ثانياً: العور الاستراتيجي - القالب القبلي قابل للاستخدام ضد هدفه
● مغالطة التمثيل
حضور 100 شيخ وتأييد 5,000 لا يعني تمثيلاً شعبياً. لم يُعلن معيار اختيارهم، ولا طريقة اعتراض القبيلة على ممثلها. القدرة على الوصول إلى الناس ليست تفويضاً منهم. القاعدة بسيطة: لا يُنسب إلى القبيلة إلا ما أذنت به فعلاً، ولا يُوسع التفويض من ملف إنساني محدد إلى ملفات الحكم والسيادة.
القبيلة اليمنية ليست كتلة واحدة. التجربة تقول إن القبيلة الواحدة تجد أبناءها في أكثر من معسكر. وهنا يظهر الدرس الذي يتجاهله ميثاق جنيف:
الحوثيون أنفسهم استخدموا نفس الأداة. استخدموا "وثيقة الشرف القبلي" و"مجلس تلاحم قبائل اليمن" لتحييد القبائل أثناء توسعهم، ثم لإخضاعها بعد سيطرتهم، عبر الحشد والتعبئة ورفد الحرب بالمقاتلين والمال.
الوثيقة القبلية ليست قوة في ذاتها. القوة تأتي من الجهة القادرة على تحويل الوثيقة إلى سلوك. وثيقة يمكن أن تستخدم لحماية المدنيين، ويمكن لسلطة مسلحة أن تستخدم لغة "الشرف القبلي" نفسها للإخضاع. إذن لا نسأل فقط: ماذا تقول الوثيقة في جنيف ؟ بل (من يستطيع تنفيذها؟)
● مغالطة الاستدلال:
يقع الخطاب المؤيد في سلسلة استدلالية فاسدة: إذا كانت القبيلة تستطيع الوساطة، فهو اثبات انها طرف في الحرب وإذا كانت طرفاً في الحرب، لايمكن ان تكون طرف في السلام؛
- السلام القبلي يوقف النزاع، الدولة تعالج شروط عودته،
السلام القبلي منطقه حفظ ماء الوجه ومنع الثأر وإغلاق الجرح. وهذا مفيد محلياً. أما السلام الوطني فيطلب تحديد المسؤولية، ونزع السلاح، ودمج القوات، وإعادة بناء الجيش، وتوزيع السلطة والثروة. الصلح يوقف النزاع، أما الدولة فتعالج شروط عودته. سلام القبيله لا يغير بنية إنتاج الحرب ولاحتى قادره مجرد تهدئه لمده شهر
ثالثاً- الاختبار الأقسى
درس الحوار الوطني
في 2013-2014 اجتمع 565 ممثلاً في مؤتمر الحوار الوطني، بتمثيل أوسع بكثير من أي تجمع قبلي، وشمل الحوثيين والحراك والنساء والشباب والمجتمع المدني.
وانتهى بوثيقة دولة جديدة.ومع ذلك لم تمنع مخرجات الحوار سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014. الدرس قاسٍ (التوافق السياسي لا يصبح قوة تنفيذية إذا لم توجد وراءه مؤسسات قادرة على حماية مخرجاته.
وهذا هو ما ينبغي أن يؤخذ إلى جنيف. القبيلة تستطيع أن تساعد على صناعة الثقة، لكنها لا تعوض الجيش ولا تحل محل الداخلية ولا القضاء.
رابعاً: الخطر البنيوي - تحويل القبيلة إلى طرف ثالث
أخطر ما في الأمر هو تقديم القبيلة كطرف ثالث بين الحكومة الشرعبه وميليشيا لحوثيين. ذلك يعيد تعريف الحرب: لم تعد صراعاً بين دولة وجماعة مسلحة انقلبت عليها، بل "صراع أطراف" متكافئة. هذا التساوي يخدم بنيوياً الطرف الذي يستفيد من تغييب الدولة.
تحميل القبيلة مسؤولية حماية المدنيين قد يوحي بأنها مصدر الانتهاك، بينما القرارات التي تقتل المدنيين وتحاصر المدن وتقصف المطارات تُتخذ في مراكز قيادة عسكرية وسياسية، لا في مجالس القبائل. وكل خطوة تُذيب الفارق بين الدولة والجماعة المسلحة تخدم من يريد تثبيت نفسه كسلطة أمر واقع.
كما أن قوة الشيخ كوسيط مصدرها مسافته من السلطة. حين يصبح موقعاً في مؤتمر دولي برعاية أجنبية، ينتقل من وسيط محلي إلى فاعل سياسي، ويبدأ حياده بالتآكل. المكان نفسه - مقر الأمم المتحدة - يمنح الوثيقة قوة رمزية هائلة قد تتحول إلى *مصنع للشرعية الرمزية:* عدد الموقعين لا يساوي عدد من انتخبوهم، والمنصة الدولية لا تصنع سلطة وطنية.
خلاصه التسريح والاختبار الحقيقي خارج جنيف
الميثاق ليس خطأ لأنه يدعو لحماية المدنيين. الخطأ يبدأ حين يُخلط بين ثلاثة أشياء: *النفوذ الاجتماعي الذي يملكه الشيخ، والتفويض السياسي الذي يجب أن يثبت من القبيلة، والسلطة العامة التي تخص الدولة.السرعيه
إذا جُعل نفوذ المشايخ خاضعاً لحقوق السكان، كان أداة حماية. وإذا جُعلت حقوق السكان مدخلاً لتوسيع سلطة المشايخ، انقلب الترتيب: صار المدني مبرراً للمؤسسة بدلاً من أن تكون المؤسسة وسيلة لخدمته.
لذلك فإن قيمة الميثاق لا تُقاس في جنيف، بل بخمسة اختبارات في الميدان:
1. هل يستطيع شيخ موقع أن يمنع تجنيد طفل؟
2. هل يستطيع تأمين طريق للمساعدات في منطقة نفوذ مسلح؟
3. هل يستطيع إطلاق محتجز لا يملك الطرف الآخر مصلحة في إطلاقه؟
4. هل يستطيع منع قبيلته من المشاركة في القتال إذا جاء الأمر من سلطة مسلحة؟
5. هل يستطيع فرض الالتزام على مقاتل لا يخضع له؟
فالإجابة التي يعلمها القاصي والداني هي لا أو نعم في حالات محددة، فهنا تظل بلاقيمه قيمته أخلاقية او ورمزية، ولا ينبغي تحويلها إلى بطاقة تعريف سياسية تمنح الموقعين صفة "ممثل القبائل اليمنية".
القبيلة العاجزه على أن تفتح قناة، تمنع ثأراً، تؤمن طريقاً، تحمي نازحاً، تسهل تبادل أسرى غير صالحهةللسلام . وهذا ما اعترفت به الأمم المتحدة نفسها.





