حين يُختزل الصراع اليمني في مواجهة إقليمية، تُمحى الجريمة الأصلية من المشهد، ويُدفع بالضحية إلى خارج رواية الحرب.
من أكثر المفارقات السياسية غرابة في المشهد اليمني أن تتحول جماعة مسلحة انقلبت على الدولة بقوة السلاح، واستولت على مؤسساتها، وفرضت سلطتها بالقوة، إلى طرف سياسي يُقدَّم في بعض الروايات بوصفه أحد طرفي صراع إقليمي بين السعودية والحوثيين.
الحوثيون جماعة مسلحة ذات مشروع أيديولوجي وسلالي عنصري، جماعة إرهابية، أطاحت بمؤسسات الدولة، وفرضت سلطتها بالقوة، وأدخلت اليمن في حرب مدمرة.
ولا يمكن التعامل مع هذه الوقائع باعتبارها مجرد اختلاف في وجهات النظر أو تنافس بين قوى سياسية على السلطة.
السؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح: كيف انتقلنا من الحديث عن انقلاب جماعة مسلحة على الدولة اليمنية إلى الحديث عن حرب بين السعودية والحوثيين؟
كيف اختفت الدولة من معادلة الصراع؟ وكيف أصبح اليمن مجرد ساحة تتصارع فيها العواصم، بينما تُعامل الجماعة التي استولت على مؤسسات الدولة باعتبارها طرفاً مساوياً للدولة نفسها؟
هذه الرواية تمنح الحوثيين ما لم يستطيعوا الحصول عليه بالسياسة: اعترافاً ضمنياً بأنهم طرف أصيل في معادلة الحكم، وأن المشكلة الأساسية ليست انقلابهم على الدولة، وإنما خلافهم مع السعودية.
وهنا تكمن خطورة التضليل السياسي؛ فحين يُعاد تعريف الحرب بهذه الطريقة، يصبح الانقلاب تفصيلاً، وتتحول جرائم الجماعة إلى خلفية للمشهد، وتُختزل مأساة اليمنيين في حسابات النفوذ الإقليمي.
من أخطر ما أنتجته الدعاية السياسية خلال سنوات الحرب هو بناء رواية تجعل كل ما يحدث في اليمن نتيجة للصراع مع الخارج، وتُقدّم الجماعة المسلحة باعتبارها في موقع الدفاع الدائم، حتى عندما تكون أفعالها موجهة ضد اليمنيين أنفسهم.
كما لا يمكن اختزال القضية في أن الحوثيين يقاتلون السعودية، وكأن كل يمني يعارضهم أصبح تلقائياً في صف السعودية، أو أن كل من يرفض مشروعهم يفتقر إلى الوطنية.
هذه ثنائية زائفة تخدم الجماعة أكثر مما تخدم اليمن؛ لأنها تصادر حق اليمنيين في امتلاك موقف وطني مستقل، وتضعهم أمام خيارين لا يمثلان حقيقة تطلعاتهم: إما القبول بمشروع الجماعة أو الاصطفاف خلف طرف إقليمي.
الحقيقة التي ينبغي ألا تُنسى: السعودية طرف لدعم اليمنيين والشرعية لمواجهة الانقلاب الكهنوتي السلالي العنصري.
هناك شعب يريد دولته، ومؤسسات يريد استعادتها، وحقوق يريد انتزاعها، ومواطنون دفعوا أثماناً باهظة بسبب الانقلاب والحرب والانتهاكات، وهناك قضية وطنية لا يجوز اختطافها وإعادة صياغتها وفق مصالح أطراف.
كيف تحولت قضية شعب انقلبت على دولته جماعة مسلحة إلى رواية عن صراع بين السعودية والحوثيين؟ ومن المستفيد من تغييب اليمنيين عن قضيتهم، ومن تحويل الانقلاب إلى مجرد وجهة نظر سياسية؟
فاليمنيون لا يخوضون معركة من أجل استبدال وصاية بأخرى، بل من أجل استعادة وطن ودولة ومواطنة متساوية.





