الأربعاء، 15 أبريل 2026 | الموافق ٢٧ شوال ١٤٤٧ هـ
الثقافة والفن

«أسماء النساء في النقوش العربية الجنوبية القديمة» كتاب للدكتورة عميدة شعلان

«أسماء النساء في النقوش العربية الجنوبية القديمة» كتاب للدكتورة عميدة شعلان
الاكاديمية عميدة شعلان المختصة بالتأريخ والحضارة اليمنية
حميد عقبي + اليمني الجديد

حين نقترب من كتاب «أسماء النساء في النقوش العربية الجنوبية القديمة» للدكتورة عميدة شعلان، لا نكون أمام عمل لغوي تقني أو قاموس للمختصين فقط، لكننا سنكون أمام محاولة جادة لإعادة بناء صورة المرأة في اليمن القديم عبر مادة تبدو صامتة ظاهريًا، لكنها ناطقة بعمق: النقوش.

فالمؤلفة لم تكتب تاريخًا تقليديًا، ولم تعتمد على السرديات المتأخرة، لقد عادت إلى المصدر الأول، أي إلى الحجر، إلى النص الأصلي الذي لم تُعد صياغته الأيديولوجيا، ولم تعبث به الروايات اللاحقة. هنا، يصبح كل اسم مفتاحًا لرواية أومعلومة أوحالة، وتتحول الكلمة إلى مدخل لفهم المجتمع.

ينتمي هذا الكتاب إلى حقل النقوشيات والدراسات السامية، وقد قُدّم أساسًا كأطروحة دكتوراه في جامعة ماربورغ عام 1999، ويتسم بطابع أكاديمي صارم، وكذلك بنيه منهجية علمية موضوعية. لكنه، كذلك، يتجاوز الإطار الأكاديمي الضيق جدًا، كونه يلامس سؤالًا أكبر: كيف يمكن للغة أن تكشف عن بنية المجتمع؟ وكيف يمكن لاسم امرأة محفور على حجر أن يفتح أفقًا لفهم العلاقات الاجتماعية والدينية والاقتصادية والسياسية؟

المجتمع اليمني القديم لم يقم على قطيعة بين الأصل والزواج، بل ربما على تراكب. فالمرأة كنت تنتقل، لكنها لا تُمحى. تحتفظ باسم أبيها، وتكتسب اسم عائلة زوجها

نصوص واسعة من النقوش

منذ الصفحات الأولى، توضّح الباحثة لنا أنها سعت إلى جمع أسماء النساء الواردة في النقوش العربية الجنوبية القديمة، ثم تحليلها ضمن إطار لغوي سامي مقارن. لكن هذا الهدف الظاهري يخفي مشروعًا أعمق، أي قراءة المجتمع من خلال الأسماء.
فالأسماء، كما تؤكد هذه الدراسة، ليست فقط علامات تعريف، هي تحمل في داخلها طبقات من المعنى: كالنسب، انتماء، الاعتقاد، وكذلك الوظيفة الاجتماعية.

اعتمدت شعلان على مجموعة نصوص واسعة من النقوش: سبئية، ومعينية، وقتبانية، وحضرمية. وهي لم تكتفي بالنصوص المنشورة، لكنها كذلك استفادت أيضًا من نقوش غير منشورة، وهذا منح بحثها قيمة إضافية. كما استندت إلى مراجع أساسية في هذا الحقل، مثل أعمال بيستون، روبان، ريكمانس، مولر، فرانتسوف وغيرهم، إلى جانب الاستفادة من التراث العربي الكلاسيكي، خاصة الهمداني، لضبط النطق وإعادة بناء السياق.

لفهم المنهج الذي اتبعته الباحثة فيمكن القول أنه قام على ثلاثة مستويات متداخلة:

أولًا، جمع المادة: أي حصر أسماء النساء في النقوش المختلفة.

ثانيًا، التحليل اللغوي: تفكيك الأسماء إلى جذورها، ومقارنتها بلغات سامية أخرى مثل العبرية والآرامية والأكادية.
ثالثًا، الربط السياقي: وضع الاسم داخل النص الذي ورد فيه، لفهم وظيفته الاجتماعية.

وهنا تكمن قوة هذا الكتاب البديع : فهو لم يدرس الأسماء بمعزل عن سياقها، الأكثر قوة أنه ربطها بأنواع النصوص. فالنقوش ليست نوعًا واحدًا، بل تنتمي إلى تصنيفات متعددة: إهدائية، توبوية، بنائية، جنائزية، قانونية، وغيرها. وكل نوع يكشف لنا عن جانب من حضور المرأة.

منذ الصفحات الأولى، توضّح الباحثة لنا أنها سعت إلى جمع أسماء النساء الواردة في النقوش العربية الجنوبية القديمة، ثم تحليلها ضمن إطار لغوي سامي مقارن

سنلمس مثلاً في النقوش الإهدائية، ظهور المرأة كفاعل ديني. تقدّم النذور للآلهة، وتطلب البركة، وتشكر على النعم. الصيغة ثابتة تقريبًا، لكنها تحمل دلالات كثيرة مهمة: المرأة لم تكن مجرد تابع، ولكن كان لها علاقة مباشرة بالمقدّس. وهذا الحضور، وإن كان مؤطّرًا ضمن نظام ديني صارم، إلا أنه يكشف عن دور واضح.

المرأة كفاعل اخلاقي

في نقوش التوبة، يظهر وجه آخر: فالمرأة نجدها كفاعل أخلاقي. تعترف بخطأ، غالبًا مرتبط بالطهارة الطقسية، وتعلن توبتها علنًا. هذه النقوش كشفت عن نظام رقابي ديني، لكنها كذلك أكدت بأن المرأة كانت جزءًا من هذا النظام، تخضع له وتشارك فيه وعنصر هام في سرديات كبرى.

أما في نقوش البناء، فنحن أمام صورة مختلفة: المرأة كفاعل اقتصادي. تساهم في بناء بيت، أو ترميم قبر، أو إنشاء معلم. وفي بعض الحالات، تُذكر أنها استخدمت مالها الخاص، وهو تفصيل بالغ الأهمية، كونه يشير إلى درجة من الاستقلال المالي. كما اظهر ت الدراسة بعض حالات التعاون بين الرجل والمرأة، وهذا يصور لنا الطبيعة الجماعية للعمل.

في بعض النقوش الجنائزية، يتخذ حضور المرأة طابعًا تذكاريًا. تُذكر ا فيها بكونها صاحبة قبر، أو جزءًا من ذاكرة عائلية. كما تظهر أسماء النساء على التماثيل واللوحات، وهذا يوضح أن لحضورهن الكثير من الأبعاد الرمزية يتجاوز النصوص في بعض الأحيان.

ومن المهم جدًا أن ننتبه أن هذه الدراسة رصدت حالة نادرة لامرأة في نقش صيد، وهذا يفتح سؤالًا حول تنوع أدوار المرأة، وإن كانت هذه الحالات استثنائية.

المرأة نجدها كفاعل أخلاقي. تعترف بخطأ، غالبًا مرتبط بالطهارة الطقسية، وتعلن توبتها علنًا. هذه النقوش كشفت عن نظام رقابي ديني

لكن أهم ما يقدّمه الكتاب ليس وصف كل هذه الأدوار، قوته تكمن في قدرته على تحليل نظام التسمية. هنا، تتحول الدراسة إلى قراءة في البنية الاجتماعية وحتى الثقافية في بعض الأحيان. فالأسماء تكشف عن شبكة نسب معقدة. المرأة تُعرّف أحيانًا من خلال أبيها (بنت)، وأحيانًا من خلال زوجها، وأحيانًا من خلال “بيت” الزوج (دت/بيت). وهذا التعدد كان اجتماعيًا وقانونيًا.

مصطلح بنت يشير إلى الانتماء إلى عائلة الأصل، أي الأب. أما دت فيدل على الانتماء إلى عائلة الزوج، وهو ما يصور لنا مشهد انتقال المرأة بعد الزواج. وكذلك فيعبّر عن اندماجها في “بيت” الزوج، بوصفه وحدة اجتماعية مستقلة. لكن اللافت أن هذه الأنماط لا تلغي بعضها، بل تتجاور. المرأة يمكن أن تحمل أكثر من انتماء في اسم واحد، وهذا يدل على مكانتها لمميزة وأن هويتها ليست أحادية.

النقوش تمثل غالبًا طبقة النخبة

المتأمل لهذا النظام يكتشف أن المجتمع اليمني القديم لم يقم على قطيعة بين الأصل والزواج، بل ربما على تراكب. فالمرأة كنت تنتقل، لكنها لا تُمحى. تحتفظ باسم أبيها، وتكتسب اسم عائلة زوجها، وتُدرج داخل “بيت” جديد. الاسم، هنا، يصبح حقًا وصفة وكذلك سجلًا لهذه الحركة.

كما كشفت شان في هذا لبحث المهم عن مصطلحات أخرى تُستخدم لوصف المرأة: أم، أخت، زوجة، أرملة، ملكة، خادمة، موظفة. وكل هذا التنوع يعكس لنا تعدد مواقعها داخل المجتمع. فهي ليست فئة واحدة، بل تمكنت من لعب مجموعة من الأدوار.

من الناحية النقدية، يمكن القول إن الكتاب تميّز بدقة لغوية جيدة، و منهجية واضحة. لكنه، بحكم طبيعة مادته وحدودها. فالنقوش تمثل غالبًا طبقة النخبة، وبالتالي لا يمكن تعميم النتائج على المجتمع كله. كما أن بعض الاستنتاجات تبقى احتمالية، بسبب نقص السياق، وتعترف د٠ عميدة شعلان في حواراتها بأنه يمكن أن نعمل خمس أبحاث ورسائل دكتوراة عن هذا الموضوع وهناك عشرات الأسئلة ولنقوش التي تحتاج لقراءة وتحليل وفهم وهي لم تدعي أنها قدمت كل شيء في كتابها٠

مع ذلك، فإن قيمة هذا العمل تكمن في أنه يقدّم لنا قراءة إبداعية مختلفة. لم تعتمد على الروايات، بل على الأدلة. مميزات بحثها أنه لم ينطلق من فرضيات جاهزة، بل من نصوص. وهذا يجعله أحدى المساهمات المهمة في إعادة كتابة تاريخ اليمن القديم.

ولا يمكن فهم هذا العمل دون التوقف عند منهجية الباحثة. فهي تنتمي إلى تقليد علمي ألماني صارم، يعتمد على الدقة، والتحليل، والمقارنة. لكنها كذلك تحمل حسًا عربيًا واضحًا، ظهر ذلك في حرصها على ربط المادة بسياقها الثقافي. هذا التوازن بين الدقة العلمية والانتماء الثقافي منح عملها خصوصية رائعة.

عشرة استنتاجات أساسية:

● الأسماء في النقوش وثائق اجتماعية، لم تكن مجرد علامات تعريف.
● حضور المرأة في اليمن القديم كان متنوعًا، وإن كان محدودًا بالنقوش.
● شاركت المرأة في المجال الديني بشكل مباشر عبر النذور.
لعبت دورًا اقتصاديًا واضحًا، خاصة في البناء والتمويل.
● ظهرت في الوثائق القانونية، وهذا يدل على اعتراف قانوني بدورها.
● نظام التسمية عكس بنية نسب معقدة تجمع بين الأب والزوج.
●مفهوم “البيت” يكشف عن مركزية العائلة كوحدة اجتماعية.
● الأسماء تحمل عناصر دينية، ما يدل على ارتباط اللغة بالاعتقاد.
● النقوش تمثل النخبة، مما يحد من تعميم النتائج.
دراسة الأسماء تفتح أفقًا جديدًا لفهم التاريخ الاجتماعي لليمن القديم.

في ختام هذا العرض، لا بد من الإشارة إلى أن الدكتورة عميدة شعلان لا تكتفي بالبحث الأكاديمي، بل تمارس دورًا معرفيًا أوسع. فهي تشرف على دراسات جامعية، وتساهم في تكوين جيل جديد من الباحثين اليمنيين. كما تحضر في وسائل الإعلام، في حوارات تسعى من خلالها إلى تقديم صورة علمية عن تاريخ اليمن، بعيدًا عن الاختزال أو التشويه والمبالغات.

وتظهر في هذه الحوارات لهجة واضحة: الدفاع عن التراث، والدعوة إلى حمايته. فهي تشير باستمرار إلى الخطر الذي يهدد الآثار اليمنية، سواء بسبب الحروب أو بسبب التهريب. وتدعو إلى وعي ثقافي يحفظ هذا الإرث، باعتباره جزءًا من ذاكرة الإنسانية.

عميدة شعلان أحدى الباحثات المجتهدات وكذلك فهي تشارك في الفعل الثقافي، فهي لا تكتب عن الماضي فقط، بل تدافع عنه في الحاضر.