الثلاثاء، 21 يوليو 2026 | الموافق ٥ صفر ١٤٤٨ هـ
الرأي

كيف تنتصر الهزيمة ..واقع الشرعية التي تعاقب كتابها

خلاصة سريعة خلاصة سريعة

 المفارقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة، هي أن الشرعية تحاول، عن عمد، خسران أكثر الناس دفاعاً عنها قبل أن تخسرهم معنوياً. لقد سجنتهم في الهامش الأبدي. فالحوثي يعرفهم ويستهدفهم لأنهم خصوم حقيقيون لمشروعه، أما الشرعية فلا نعرف لماذا تهمشهم.

لم يبقَ شيء تقريبًا لم نفعله نحن، بعض الكتاب الجمهوريين، كي نثبت أننا لسنا طارئين على هذه المعركة ولا متسلقين على نتائجها. نعم، نحن أخطأنا حين لم ننظم أنفسنا.

لكن الشرعية أخطأت حين جعلت من هذا التشتت ذريعة لعدم رؤيتنا. كنا هناك قبل أن تصبح الجمهورية شعارًا آمنًا، وقبل أن يصبح الدفاع عن الشرعية وظيفة أو طريقًا إلى النفوذ والمناصب والإعاشات.

نُهبت أموالنا، وضحينا بمصالحنا، ودفعنا أعصابنا وصحتنا ووقتنا وأعمارنا. عشنا عقدًا ونيفًا، وما زلنا نعيش الجوع والحرمان والظلم والقلق وهدر الكرامة، لأننا اخترنا أن نقف مع الدولة في زمن كان الوقوف معها مكلفًا.

قاتلنا الحوثي بالكلمة حين كان كثيرون يفضلون الصمت، وواجهنا مشروعه الفكري والإعلامي حين كان آخرون ينتظرون من ينتصر، ليقرروا مع من يقفون. وفي المناطق المحررة، خضنا معركة لا تقل خطورة عن معركة السلاح: معركة الوعي. فككنا الخرافة الإمامية وواجهنا خطاب الحوثي، وحاولنا أن نحمي عقول الناس من آلة إعلامية ضخمة تعمل ليل نهار على تحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار في الوعي.

لكن المفارقة التي يجب أن تُقال بلا مواربة، هي أن الشرعية تحاول، عن عمد، خسران أكثر الناس دفاعًا عنها قبل أن تخسرهم معنويًا. لقد سجنتهم في الهامش الأبدي. فالحوثي يعرفهم ويستهدفهم لأنهم خصوم حقيقيون لمشروعه، أما الشرعية فلا نعرف لماذا تهمشهم.

الحوثي يرى الكاتب الجمهوري عدوًا يجب إسكاتُه، والشرعية تراه صوتًا يمكن تجاهله إلى ما لا نهاية، وهنا تكمن الكارثة، إذ إن العدو يعرف قيمة خصومه أكثر مما تعرف الشرعية قيمة أنصارها.

الحوثي لا يمنح الكاتب الجمهوري راتبًا، لكنه يمنحه شيئًا آخر: يعترف بأنه خطر على مشروعه. أما الشرعية فتتركه سنوات يقاتل عنها، ثم تتعامل معه وكأنه لم يكن موجودًا.

فأي معادلة سياسية هذه؟ أن يحاربك عدوك لأنك تمثل خطرًا عليه، بينما تتجاهلك دولتك لأنك لا تمثل مصلحة شخصية لأحد النافذين فيها.

وهنا لا يعود السؤال: لماذا لم ينظم الكتاب أنفسهم؟

بل السؤال الأكثر قسوة هو: لماذا لم تنظم الشرعية أبناءها الذين وقفوا معها؟

لماذا لم تبنِ مؤسسة واحدة تحمي العقول التي دافعت عن الجمهورية؟

لماذا تركت المجال للنفوذ والقرابة والوساطة، كي تصبح هي المعايير الحقيقية للإعاشات والمناصب والترقي، بينما أصبح الموقف الوطني عبئًا على صاحبه؟

فالشرعية التي لا تعرف كيف تحمي رجالها وكتابها ومثقفيها، لا يمكنها أن تتحول من شبكة مصالح إلى دولة. والشرعية التي تكافئ الأقارب ومراكز النفوذ أكثر مما تكافئ الدفاع عنها، لا تنتج ولاءً وطنيًا.

بل تنتج انتهازية سياسية مستدامة، وهنا يجب أن نقول الحقيقة التي قد تكون مؤلمة: الشرعية تحاول أن تخسر بعض كتابها ليس بسبب التهميش فقط، بل تحاول أن تخسرهم بسبب شعورهم بأنهم دفعوا ثمن موقفهم الوطني، بينما كُوفئ غيرهم على قربهم من السلطة. وهذا أخطر من الفساد المالي.

لأن الفساد المالي ينهب المال، أما هذا النوع من الفساد فينهب معنى الدولة. فحين يرى الكاتب والباحث والأكاديمي أن من دافع عن الجمهورية يعيش مهمشًا جائعًا، بينما من اقترب من مراكز القرار يُفتح له الطريق إلى المناصب والإعاشات، وما إلى ذلك، فإن الرسالة التي تصل إليه ليست أن الشرعية انتصرت، بل أن الشرعية تحتقر من يدافع عنها.

وهنا يصبح الحوثي أكثر ذكاءً في معركته من الشرعية. هو يعرف كيف يصنع عدوه، ويعرف كيف يخيفه، ويعرف كيف يحاصره، ويعرف كيف يستثمر أخطاء خصمه.

أما الشرعية، فما زالت تتصرف وكأن جمهورها مضمون، وهذا وهم خطير. لا يوجد جمهور مضمون إلى الأبد، ولا يوجد ولاء مجاني، ولا توجد قضية تستطيع أن تطلب من الناس التضحية من أجلها إلى ما لا نهاية، ثم تتعامل معهم بعد ذلك كعبء زائد.

الجمهورية لا تسقط فقط عندما يدخلها الانقلابيون، قد تسقط أيضًا عندما يفقد المدافعون عنها ثقتهم بأنها تستحق الدفاع، وهذه هي الهزيمة التي يجب أن تخشاها الشرعية: أن تجعل المدافع عن الدولة يصل إلى لحظة يسأل فيها نفسه: لماذا أدافع عن دولة لا تدافع عن أبنائها؟

فإذا وصلنا إلى هذه اللحظة، فإن الحوثي لن يكون قد انتصر عسكريًا، لكنه سيكون قد انتصر في شيء أخطر: سيكون قد أقنع بعض المدافعين عن الجمهورية بأن الجمهورية نفسها تحتقر وتهمش من يحميها. وهنا لا تعود المشكلة مشكلة كاتب أو مجموعة كتاب، إنها تصبح مشكلة دولة فقدت قدرتها على إدارة معركتها مع الوعي.

فالشرعية التي لا تحمي أصحاب المواقف، ولا تستثمر في أصحاب الكفاءة، ولا تصنع لنفسها نخبة وطنية تدافع عن مشروعها، ستظل تدفع ثمن أخطائها من رصيدها الشعبي. وكل كاتب جمهوري تخسره بسبب التهميش هو مساحة جديدة يتركها خصمها لخطابه، وكل صوت وطني تصنعه الحاجة واليأس هو انتصار مجاني للخصم.

لذلك، فإن أخطر ما فعلته الشرعية بالكتاب الجمهوريين، ليس أنها لم تمنحهم وظيفة أو منصبًا أو راتبًا، الخطر أنها تصر على دفعهم إلى الاعتقاد بأن الوقوف مع الدولة في اليمن قد يكون أكثر كلفة من الوقوف ضدها.

وهذه ليست هزيمة للكتاب، هذه هزيمة لفكرة الدولة نفسها، لأن الدولة التي تعاقب من يدافع عنها بالجوع وهدر الكرامة، وتكافئ من يقترب منها عبر النفوذ والمصلحة والواسطة، لا تستطيع أن تطلب من الناس أن يضحوا من أجلها. فالناس في النهاية لا يقاتلون الشعارات.

إنهم يقاتلون من أجل معنى، وحين تفقد الدولة هذا المعنى في عيون المدافعين عنها، فإن الهزيمة لا تحتاج إلى جيش يدخل المناطق المحررة، يكفي أن تنتصر الهزيمة داخل النفوس.