الثلاثاء، 25 أغسطس 2026 | الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ
الأدب والفنون

غيلا بشاري تنقل تراث يهود اليمن إلى إلى المسارح في العالم

غيلا بشاري تنقل تراث يهود اليمن إلى إلى المسارح في العالم

حميد عقبي ● اليمني الجديد

«كنت طفلة، لكن شيئًا واحدًا فقط أتذكره: أنني كنت أرغب بشدة في الغناء! فقلت لنفسي: عندما أكبر سأغني».

هذه هي قصة غيلا بشاري، المغنية التي شقت لنفسها طريقًا خاصًا، وحملت معها تراث غناء يهود اليمن من بيت العائلة والحي والطقوس الاجتماعية والدينية إلى المسارح العبرية والعالم.

في أواخر خمسينيات القرن العشرين، كانت تحيط ببيت طفولة المغنية غيلا بشاري، في حي بن تسيون بمدينة نتانيا، ثلاثة معابد يهودية تابعة لجالية يهود اليمن. وكان الحي يشهد بصورة شبه أسبوعية احتفال «سبت العريس»، ومن ضمن طقوسه كانت تقام مراسم مرافقة العريس المعروفة في التقليد اليمني باسم «الزافا».

كانت الزفة «الزافا» موكبًا يجتمع فيه أبناء الجماعة لمرافقة العريس بالغناء، من الكنيس إلى المكان الذي يقام فيه طقس التقديس.

تتذكر بشاري تلك المشاهد قائلة: «كان شخص واحد يغني جملة، ثم يرد الجميع وراءه، وهكذا كانوا يسيرون ببطء، ببطء، ببطء. أتذكر أنهم كانوا يمرون بالقرب من بوابة بيتنا، لأن منزلنا كان يقع على الشارع ،كنت طفلة، لكن شيئًا واحدًا فقط أتذكره: أنني كنت أرغب بشدة في أن أغني مع هؤلاء الناس! فقلت لنفسي: عندما أكبر سأغني هذه الأغنية».

كان الغناء الجماعي في تلك المناسبات يخضع لتقاليد اجتماعية ودينية واضحة، وفي معظم الأحيان لم يكن مسموحًا للفتيات بالغناء مع الرجال. لكن بشاري، بتشجيع من والدها، لم تتخل عن الغناء، الذي أصبح مع مرور السنوات جزءًا أساسيًا من حياتها.

نشأت غيلا بشاري في بيت كانت الموسيقى جزءًا لا ينفصل عن حياته اليومية. وكان والدها يوسف مرتلًا ومغنيًا.

تقول عنه: «كان حبه الكبير هو الغناء، لكن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من الغناء وحده، لذلك كان يعمل في البناء. وإلى جانب ذلك، كانت لديه فرقة يمنية تقدم عروضًا في حفلات الزفاف. وكان يقدم في الأعراس الجزء التقليدي، أي الأغاني اليمنية الخاصة بالرقص، كما كان لديه مغنون آخرون يؤدون الموسيقى الشعبية التي يحبها الشباب».

ولم يكن الصوت الجميل حكرًا على الأب. فقد كانت والدتها أيضًا تمتلك صوتًا قويًا، لكنها لم تختر طريق الغناء أمام الجمهور.

تقول بشاري: «كانت أمي أيضًا تمتلك صوتًا رائعًا، لكنها كانت خجولة. لم تكن من النوع الذي يخرج ليقدم عروضًا أو شيئًا من هذا القبيل. لكننا في بيتنا كنا نغني طوال اليوم. قد يبدو هذا مضحكًا، لكنه صحيح فعلًا. كنا نغني ونحن نغسل الأطباق أو أثناء القيام بأي عمل. لا أتذكر نفسي كثيرًا وأنا صامتة؛ فقد كنت دائمًا أحب الغناء».

ونقل الوالدان حبهما للموسيقى إلى أبنائهما السبعة. وكانت غيلا الابنة الكبرى. وتتذكر أن الأسرة كانت تبدأ منذ منتصف الأسبوع، تقريبًا من يوم الثلاثاء، الاستعداد لـ«الجَعْلة»، وهي الجلسة اليمنية التقليدية التي تقام حول مائدة السبت.

بعد انتهاء الوجبة، ومع المكسرات والكعك والفواكه التي تقدم للتحلية، كان أفراد الأسرة يفتحون «الديوان»، وهو كتاب الشعر الديني لدى يهود اليمن.

وتشرح بشاري شكل الديوان وطريقة حمله قائلة: «الديوان يكون دائمًا مستطيل الشكل، حتى يمكن وضعه تحت الإبط». وكان أفراد الأسرة يحملونه معهم عندما يذهبون إلى بيت أحد الجيران أو الأقارب للمشاركة في جلسة الغناء.

كتب الحاخام شالوم شبزي عددًا كبيرًا من قصائد الديوان، وتحولت هذه القصائد إلى أناشيد و«بيوط» تغنى جماعيًا ضمن جلسات الجَعْلة. وهكذا كان الأمر أيضًا في بيت طفولة بشاري.

تقول: «كان أبي يبدأ الغناء ويشير إلينا. ينشد بيتًا أو مقطعًا، ثم نعيده وراءه».

وتستند أشعار الديوان إلى موضوعات وصور مستمدة من طبقات مختلفة من الأدب الديني اليهودي عبر العصور، من التناخ والقبّالاه إلى المشناه والتلمود.

ورغم أن أناشيد الديوان كانت في أصل تقاليدها مخصصة لغناء الرجال، فإن ذلك لم يمنع بشاري من تعلمها منذ طفولتها بتشجيع واضح من والدها. فقد كان يرى أن عليها معرفة هذه الأشعار والألحان، بينما كرست هي نفسها لتعلمها وحفظها.

ومنذ سن مبكرة، اعتادت مرافقة والدها إلى حفلات الزفاف، وكانت تصعد معه إلى المنصة وتغني إلى جانبه. ومن خلال هذه التجربة المباشرة تعلمت منه أسرار الغناء والأداء.

أما البيئة التقليدية والذكورية المحيطة بها، فلم تحول ظهورها إلى قضية أيديولوجية أو مواجهة اجتماعية، بل تقبلت الأمر كما هو، بفضل مكانة الأب وقدرته على قيادة الجماعة من جهة، وإصرار الابنة وتفانيها في تعلم الغناء من جهة أخرى.

كان تعليم الغناء بالنسبة إلى والد غيلا جزءًا من مسؤولية أوسع، هي نقل تراث يهود اليمن إلى الأجيال القادمة، بسبب خوفه من أن يتراجع هذا التراث ويُنسى .

فكثير من قصائد الديوان تعبر عن حنين يهود اليمن، الممتد عبر مئات السنين، إلى أرض الآباء وإلى القدس، وتحمل في الوقت نفسه الدعاء من أجل انتهاء المنفى.

وبعد الوصول إلى مجتمعهم الجديد برز سؤال جديد بقوة: ماذا يمكن أن يحدث لتراث يقوم جانب كبير منه على الشوق والحنين بعد أن وصل أصحابه إلى المكان الذي ظلوا يتطلعون إليه طوال قرون؟ وكيف يمكن للتقاليد اليمنية أن تجد مكانها داخل المجتمع الإسرائيلي الجديد الذي تشكل من جماعات يهودية جاءت من بلدان وثقافات مختلفة؟

تتذكر بشاري قلق والدها قائلة: «أذكر أن أبي كان قلقًا جدًا. قال لي ذات يوم: أخبريني، نحن هنا منذ خمسين عامًا فقط، وبدأتم بالفعل تفقدون كل التراث الذي حافظنا عليه طوال مئات السنين؟».

ثم تضيف: وحتى بعدما كبرت بشاري وأصبحت مغنية محترفة، ظل والدها حريصًا على سؤالها بعد كل حفلة: «هل غنيت أغنية يمنية؟ .

كان يهمه كثيرًا أن تغني من الديوان، وأن تظل هذه الأشعار والألحان حاضرة حتى لا تنساها الأجيال الجديدة.ومنذ ذلك الحين، تواصل غيلا بشاري العمل من أجل الحفاظ على تراث يهود اليمن. واستمرت في الغناء على المسارح داخل إسرائيل وخارجها.

وفي عام 1999 أصدرت الألبوم الذي كانت تحلم به، وأطلقت عليه اسم «زافا»، مستعيدة بذلك اسم موكب مرافقة العريس الذي أسر قلبها وأذنها عندما كانت طفلة تقف بالقرب من بوابة بيت أسرتها وتستمع إلى الرجال وهم يغنون.

ولم يقتصر نشاطها على الأداء والغناء. فمنذ عقود تعمل بشاري أيضًا في البحث في غناء يهود اليمن وتعليمه، وتتناول في عملها جانبي هذا التراث: أغاني دورة الحياة والمناسبات التي كانت تؤديها النساء في الغالب، والشعر الديني الذي كان الرجال يؤدونه في الغالب.

ومثل والدها الذي جمع بين العمل في البناء وحبه للغناء، لم تتفرغ غيلا للموسيقى وحدها، بل عملت بالتوازي في مجال المحاسبة.

وعندما سئلت إن كانت هناك علاقة بين عالمي المحاسبة والموسيقى، أجابت ضاحكة: «لا، إطلاقًا. باستثناء أنني أحيانًا، وأنا أعمل في المحاسبة، أجد نفسي أدندن شيئًا لنفسي».

وفي عام 2023، وخلال مهرجان «في سرّ أصوات كثيرة» الذي أقيم في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، شاركت بشاري في لقاء حميم مع تائير حاييم، مؤسسة فرقة الأخوات فرقة أيوه .

روت بشاري خلال الفيلم الوثائقي الذي أنتجته المكتبة الوطنية العبرية عنها، قصة طفولتها الاستثنائية، وكيف نشأت في إسرائيل، طفلة ثم امرأة، داخل بيئة احتضنت تقاليد الغناء اليمني، وتحدثت عن طريقها الخاص في عالم الغناء.

والفيلم متوفر على يوتيوب باللغة العبرية والغناء باليمني وهو بعنوان «غيلا بشاري – تتجول في حديقة الغناء في تراث يهود اليمن». ويرافق الفيلم غيلا إلى المجتمع الذي نشأت فيه في حي بن تسيون بمدينة نتانيا، ويركز على التحدي الذي يمثل جوهر جانب كبير من تجربتها: بناء جسر يصل الماضي بالحاضر والمستقبل.

أُنتج الفيلم ضمن فعاليات «في سرّ أصوات كثيرة»، مهرجان البيوط والصلاة والموسيقى في المكتبة الوطنية، وجاء ثمرة تعاون بين المكتبة الوطنية ومشروع «دعوة إلى البيوط» التابع لـ«سنونيت» ووزارة التراث، وبمشاركة ودعم «تيما»، الجمعية لرعاية المجتمع والثقافة وتراث يهود اليمن.

كتب السيناريو وأخرج الفيلم روتيم بن حمو، وتولى يائير هارئيل تحرير المحتوى، بينما أنجز نوعام بيليغ البحث والإعداد، وتولت «سينمارك» التصوير.

وهكذا تبدو رحلة غيلا بشاري ممتدة من طفلة تقف أمام بوابة بيتها في نتانيا وتحلم بأن تشارك أبناء جماعتها الغناء، إلى مغنية وباحثة ومعلمة تحمل معها هذا التراث إلى الأجيال الجديدة.

وفي قلب هذه الرحلة ظل السؤال الذي شغل والدها حاضرًا: كيف يمكن الحفاظ على أغاني حملها يهود اليمن مئات السنين، بحيث تظل حية وقادرة على الانتقال من جيل إلى آخر؟

المصدر: المكتبة الوطنية العبرية، «غيلا بشاري تنقل تراث يهود اليمن إلى المنصة الرئيسية»، 12 يناير 2025.