تغييب الحقيقة وتحويل الجرائم إلى ذرائع

Author Icon أمجد العزاني

أكتوبر 13, 2025

حينما قرر الإصلاح التخلص من الشهيد عدنان الحمادي قائد شرارة الدفاع عن الجمهورية، ضمن عملية ممنهجة، حشد آلاف المقاتلين بل استدعى ألوية من كل أرجاء تعز وجبهاتها بل وأفراد متشددين لاينتمون للجيش، ووجههم مباشرة إلى الحجرية أعد خطة محكمة لاسقاطها مع الأسلحة والمعدات التي لم نشاهدها حتى في جبهات القتال ضد جماعة الحوثي،

أقاموا المعسكرات في الضباب والجبزية ويفرس والكلائبة وجبل الراهش وطور الباحة، رابطوا على حدود مسرح اللواء 35 من كل اتجاه، ولم يكتفوا بالسلاح، بل أطلقوا ماكينة تحريض إعلامي لإدانة كلّ من حمل رأيًا مخالفا، وصكوا تهمة الخيانة على الشرفاء، محاولين بذلك تغييب الحقيقة وتحويل الجرائم إلى ذرائع لتثبيت وجودهم، في معركة أخوانية استهدفت كل مقاوم وكل ضابط وكل ناشط وكل سياسي .

وفي منطقة البيرين قتلوا الفندم فاروق الجعفري قائد جبهة الأقروض، ومحارب في الصلو، وبندق وطني في كل جبهات تعز، ولكن بمعايير الاصلاح اذا لم تمتثل للمقر فلن تشفع لك وطنيتك ولا نضالك، فأنت هدف لنا! وبالفعل قتلوه، مع أنه كان وقوته ضمن قوات سلام وجه بها العميد عدنان الحمادي لمنع الأقتتال في منطقة البيرين، حينها بين كتائب أبو العباس والاصلاح.

وبعد اغتيال العميد الجمهوري عدنان الحمادي، دقت ساعة الصفر لاستكمال عملية السيطرة، ودخلوا الحجرية فاتحين، كما خطط لها بعناية.. ثم جعلوا من تعز ولاية مغلقة بأيديهم، لا صوت فيها يعلو فوق سلاحهم، ولا قرار يُتخذ خارج نفوذهم.

وهكذا.. تمّت تصفية كل ما تبقى من ملامح الدولة، وحلت محلّها منظومة مصالح ضيقة، تبتلع الإيرادات، وتوزع المناصب، وتخمد أي صوت ينادي بالإصلاح أو العدالة.

وهنا أتذكر أن رشاد العليمي كان أكبر الداعمين لهذا الفتح، باعتباره المسؤول عن الملف الأمني والعسكري في تعز حينها، بل وبارك ضمنياً جهود الجماعة حين انفردت بالمدينة، رغم خبرته السياسية والأمنية الطويلة، حيث كانت له حساباته الخاصة، ومخاوفه من تمدد نفوذ الساحل واختلافه العميق مع المشروع العسكري هناك.

وتحت إشرافه غير المباشر، تمت (الفتوحات الإخوانية) التي طالت كل من وقف خارج بيت الطاعة. لاحقت المليشيا الحزبية القادة العسكريين والمدنيين في الحجرية، فكان العقيد عبدالحكيم الجبزي واحداً من ضحاياهم، بعد أن قتلوا ابنه الشهيد أصيل بطريقة بشعة ومثلوا بجثته لترهيب الآخرين.

ثم استهدفوا العقيد فؤاد الشدادي، وتهجموا على منزله ونهبوه، كما حاولوا تصفية الفندم رائد الحاج والعقيد عبدالكريم السامعي، الذي اتهم زوراً بالخروج عن "الملة الأخوانية"، فأباحوا دمه، وسيروا ضده الألوية والمصفحات لتصفيته داخل الحجرية .

ولم ينج حتى العقيد توفيق الوقار، رحمه الله، من هذا الحصار الدموي، إذ أرسلوا له المجنزرات إلى جبل حبشي، لأنه فقط لم يمتثل لأوامر "المقر"، في مشهد يشبه الانقلاب الداخلي على الدولة نفسها.

وهنا بدأت تتكشف الحقائق أمام كثير من منتسبين المؤسسة العسكرية، الذين أدركوا متأخرين أن الحروب والمعارك التي كانوا يُزَجون فيها، تحت لافتة استعادة الدولة، لم تكن سوى ستار لتصفية الخصوم، وتفريغ الساحة من أي صوت خارج النسق الحزبي.

كان من أبرز هؤلاء العقيد محمد سالم الخولاني، الذي تم الدفع به كقائد للشرطة العسكرية في توقيت حساس، ليكون واجهة نظامية لعملية اقتحام الحجرية. قاد الخولاني العمليات ميدانياً،

لكن ما إن تحقق الهدف، ودخلت الجماعة إلى الحجرية، حتى تم إقالته بصمت، والتخلي عنه كما يتخلي عن القفاز بعد اتساخه. لم يكن الخولاني سوى أداة مؤقتة، في لعبة أكبر من صلاحياته، وأخطر من كل ما كان يتوقعه.

تتضح الكثير من الحقائق والجرائم لرجال المؤسسة العسكرية الذين كفروا بهذا النهج وأصبح الأمر واضح بالنسبة لهم،

وحينها أدرك الإصلاح أن العسكريين الوطنيين بدأوا ينسحبون بصمت من معارك لا تمثلهم، وأن زمن استخدامهم كأدوات في حروب تصفية الخصوم قد شارف على نهايته. لم يعد بالإمكان إقناعهم بخوض معارك لا تتصل بالدولة ولا بالمؤسسة العسكرية، بل تخاض لأجل نفوذ الجماعة ومصالحها.

وهنا، لم يتبقَ للإصلاح سوى مجموعة "قتلة الروضة"، ذلك الفصيل المرتبط به تنظيمياً ومصلحياً، والممسوك جيداً كـ"كرت رابح" في يده، يستخدمهم حين يشاء ويغطي عليهم مهما فعلوا. لقد أصبحوا القوة الضاربة المضمونة، التي لا تسأل ولا تحاسب، مهما سفكت من دم، أو انتهكت من قانون، أو عبثت بأمن تعز واستقرارها.

وبهذا الشكل، تحولت "الروضة" من حي إلى حالة... ومن موقع إلى ميليشيا، تتحرك وفق إشارة، وتُغطى بسلطة الأمر الواقع، ولا أحد يجرؤ على مساءلتها أو مجرد تسميتها باسمها الحقيقي.

ولأن الدكتور رشاد العليمي، بصفته رئيساً لمجلس القيادة، لم يسمح يوماً بإضعاف شوكة الإصلاح، بل حافظ على وجودهم كقوة موازية داخل الشرعية ‏فإنه أيضاً، لن يسمح بتفكيك نفوذهم أو مساءلتهم عن أفعالهم، مهما تصاعد الغضب الشعبي ومهما سقط من ضحايا.

ولأنه يرى في الساحل — طارق صالح — تهديداً محتملاً لمشروعه أو امتداداً لمعادلات خارجية لا يثق بها، فقد اختار أن يُبقي الإصلاح حليفاً لا يمكن التفريط به، مهما كانت التكلفة، لا تعنيه الجرائم التي تحدث في تعز، ولا يعنيه فقدان الثقة بالسلطة، بقدر ما يعنيه استمرار التوازنات التي تحفظ له رأس السلطة، حتى لو تقوضت الدولة..

زر الذهاب إلى الأعلى