‏كيف رسمت الحركة الإسلامية اليمنية أبعاد وعيها الجمهوري؟

Author Icon مصطفى ناجي

نوفمبر 30, 2025

أثار انتباهي مقابلتان في البودكاست: الأولى في بودكاست "مُسنَد" الذي استضاف فيه المهندس صعتر ويقدّمه الصديق فهد سلطان – رغم الرداءة الفنية في الصوت والصورة وإرباكات اللقاء –، والثانية لزيد الشامي ضمن بودكاست "متن" الذي يقدّمه الصديق بشير الحارثي – رغم مشكلة ضبط الصوت.

مشاهدة الحلقتين تتيح لمن يتتبّع تطوّر الحركة الإسلامية في اليمن فهماً أوسع للخطوط الفاصلة بين الوعي الجمهوري والعمل الدعوي لدى الحركة، كما تشكّلت هذه الخطوط في المراحل الأولى لنشأت الحركة والتي آلت لاحقاً إلى تأسيس التجمع اليمني للإصلاح.

يقدّم كل من صعتر والشامي، من خلال حديثهما العفوي، صورة واضحة عن الطريقة التي أعادت بها الحركة الإسلامية تعريف المفهوم الجمهوري في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي؛ إذ جرى تكييف الجمهورويّة (Republicanism) وجعلها مشروطة بالإسلاموية، على حساب التحديث في الأفكار وتصورات التغييرات الاجتماعية المطلوبة للمجتمع -الأمة اليمنية الجديدة .

هاتان المقابلتان مهمّتان، في رأيي، لما تتضمنانه من سير ذاتية شيّقة لكلٍّ من صعتر والشامي. فكلاهما يعرض مساره الفردي القادم من بيئتين اجتماعيتين مختلفتين ومن نطاقين جغرافيين متمايزين، لكن جمعهما الانتماء الإسلاموي والوظيفة العامة والانخراط في الحياة السياسية.

لقد كانت طفولة ومراهقة كلٍّ منهما مشبعتين بالتحولات الجذرية التي عاشها المجتمع اليمني، الأمر الذي أسهم في تشكيل وعي سياسي وأيديولوجي مركّب لديهما.

في سيرة الرجلين ما يستحق التقدير وإعادة النظر في سرعة التحول في حياة المجتمع اليمني وفهم دور النظام الجمهوري في تشكيل حياة اليمني.

وربما قدّم صعتر – وهذه نقطة تستحق اهتماماً بالغاً لفهم البعد المناهض للإمامة في الحركة الإسلامية وحدود الالتقاء والافتراق مع الجماعة الحوثية في المعنى المجرد، خصوصاً لدى المنتمين إلى الإصلاح من الجغرافيا الزيدية – نقداً عميقاً وغير منظَّر للثقافة الشعبية في المناطق الزيدية على وجه التحديد. ويقوم مرتكز التصدي للإمامة لديه على ركنين:
ركن اجتماعي يرفض الطبقية السلالية ويعيد الاعتبار لـ"اليمننة".
ركن ديني يرى أن الإمامة ضلالة وانحراف عن التدين الحق.

هناك مفارقات واضحة تستحق التأمل في مسار الحركة الإسلامية، التي بدأت نضالية في رحم الدولة الحديثة، ثم مالت لاحقاً نحو راديكالية دينية أبعدتها عن مسألة التحديث وبناء دولة المواطنة.

وأكاد أجزم أن الجيلين الثاني والثالث من أعضاء الحركة الإسلامية اليمنية لم يحظيا بالطريقة نفسها من التنشئة التي حظي بها الجيل الأول، إذا اعتبرنا صعتر والشامي منه.
وقد لفت انتباهي قول زيد الشامي إن نظرية داروين كانت ضمن المنهج اليمني في فترة ما. كما أثار اهتمامي ما ذكره صعتر عن أن مسودة الدستور الأول لدولة الوحدة كانت تنص على “اشتراكية النظام”، وهو ما أثار حفيظة الإسلاميين وربما كشف أيضاً عن ضعف إدراكهم للفارق بين الاشتراكية والإلحاد.
هذه السير الذاتية توضّح، بجلاء، كيف فوّت اليمن فرصاً عديدة للتغيير.

تبدو نظرية صعتر واضحة وبسيطة الملامح في تفسير الصراع الدائر في اليمن: مخلفات الامامة والاستعمار حتى ان ذهب إلى صراحة لا تُرى في الاصلاحيين من الصفوف الاولى حين قال : عيدروس من مخلفات الاستعمار.

أتمنى أن يظهر المهندس صعتر في لقاء آخر أوسع وأشمل. واتطلع لقراءة كتب الاستاذ زيد الشامي.

اتعجب من تفسير الرجلين لتوغل الفكر الماركسي في اليمن على أنه بسبب وجود المركز الثقافي الروسي في اليمن بينما دخلت التيارات السياسية والأيديولوجية بما فيها الماركسية إلى اليمن عبر طرق أخرى وقبل وجود المركز الثقافي الروسي في اليمن.

سيطر هاجس محاربة الإلحاد على الوعي والعمل الإسلاميين في اليمن منذ البذور الأولى للحركة . وذهبت طاقة الحركة الاسلاموية السياسية نحو هذا الهدف، ففقد المجتمع معركة التحديث واستنزفت طاقاته وكفاءاته في أولويات بعيدة عن معركة وجودية تتمثل في بناء دولة وليدة.

زر الذهاب إلى الأعلى