وجهان للمثقف الزائف
الأول: دعي النقاء، تعجيزي ومغترب عن الواقع
يُكثر من ترديد مقولات دامغة مثل: «السياسة فن الممكن»، لكنّه عندما ينظر إلى الحكومة اليمنية يريدها حكومة ناجزة، جاهزة، مكتملة العتاد، وافرة القدرات المالية، ومكتملة الكوادر، متغافلًا عن حالة الاهتراء التي أصابت اليمن منذ 2011، ثم يقفز فوق عملية الافتكاك والتمزيق التي نفذها الحوثيون بحق الدولة اليمنية عام 2015.
يريد من الحكومة اليمنية أن تتجرد من أي سند إقليمي يقوم على القواسم المشركة والاتفاقات والمواثيق المتعارف عليها كي تُرضي مزاجه النزِق وادعاءه بالشرف الخالص والوطنية النقية.
يطالبها بمواجهة ميليشيات مدعومة خارجيًا بالسلاح والمال والإعلام والدعاية المضللة، وفي الوقت نفسه يرفض أن تدخل في أي تحالفات خارجية.
يرى في ذلك وصاية، لكنه لا يحمل الحمية ذاتها تجاه الدعم الذي تحصل عليه الميليشيات الحوثية من إيران، أو الحركات الانفصالية من الإمارات.
هو يرفض التحالفات والدعم من حيث المبدأ، لا الصيغة الحاكمة لهذه التحالفات.
فمن أين يمكن إيجاد حليف خارجي على مقاس أمزجته المنفصلة عن الوعي السياسي والواقع الجيوسياسي الدولي؟
لا تهمني الحكومة هنا بشخوصها وطريقة أدائها المريض وأنها من الفساد بمكان يصعب الدفاع عنه أو تغطيته. يهمني تفكيك هذا الخطاب الذي يخصص كل الجهد لتعطيل المجتمع من الاشتراك في نضاله المستمر من أجل بناء دولة مواطنة. بناء ينتظم في عملية مستمرة ومعارك فكرية وسياسية تقودها في ظلامها الصراعي نجمة اخلاقية وواجب جماعي وخيرية رفيعة من التكافل والتضامن.
الثاني: مادح القوة التدميرية
مدح إيران بحجة امتلاكها “مشروعًا”، دون النظر إلى جوهر هذا المشروع وطابعه التوسعي، فكانت النتيجة تطييف المجتمعات العربية وإذكاء الصراعات المذهبية.
كانت الجملة السائدة : إيران معها مشروع نحن ضده لكن نحترمه، العرب بلا مشروع.
ثم، أمام الهيمنة المطلقة لإسرائيل، لا يمانع في مديحها، مستحسنًا استعراضها للقوة العارية وانتهاكاتها لحقوق الدول والشعوب.
يمنياً، يمدح الحركة الانفصالية، ويرى أنها صاحبة مشروع يختلف معه لكنه “يحترمه”، ناسياً أن يفكر في موقعه داخل هذا المشروع، وفي مصلحته أو خسارته منه.
تسأله: ما هو المشروع؟
يلف ويدور باختلاق قصص واستحضار الماضي البعيد وتوهم المواقف ويتهرب من الاعتراف أن جوهر هذا المشروع هوياتي وإقصائية وثأري بالتالي عنصري وتميزي ويرتكز على خطاب سيقود إلى اقتتال جمعي وتصفية بالهوية.
لكنه مغرم بالقوة واستخدام السلاح لبلوغ الاهداف السياسية.
ومقتنع أن مجابهة التطرف تكون بتطرف مضاد خارج أدوات مجمع عليها وتحظى بشرعية وطنية.
هؤلاء مادحو القوة، والمشروع عندهم هو القوة فقط.
ومديحهم للقوة نابع من خواء داخلي، ومن جبن ورداءة تفكير، ومن تكيفٍ مرضي، وانتحارٍ جماعي؛ لأنهم يدركون تمامًا أن المشاريع التي يمتدحونها موجهة ضدهم شخصياً. فهي مشاريع لا تحمل بذور حريات اجتماعية وسياسية ولا تكفل حريات شخصية ولا تقترح تصوّراً تقدمياً أو انموذجاً تنموياً.
لا يوجد مثقف كوني. هذه هي الحقيقة العارية. منذ أن نشأت الدول الوطنية، لم تفرض فقط حدودًا جغرافية وقيودًا على الانتماء، بل فرضت أيضًا دوائر اهتمام فكرية، وأطر مصلحة للمثقف.
فالمثقف ينشأ داخل أطر وطنية، وسط صراعات سياسية، ظاهرة أو ضمنية، ويتكوّن وعيه داخلها.
مصطفى ناجي