ياليتني عشتُ جمالاً

Author Icon محمد علي محسن

مارس 13, 2026

أجمل النَّاس هم أهل تهامة . أتذكرون حادثة الاعتداء على الدكتور حسن مكي، رئيس الوزراء الأسبق ، رحمه الله ؟ تلك الحادثة التي فطّرت قلوب اليمنيين، بعد أن رأوا دموع القهر تسيل على وجنتَي الرجل التهامي النبيل .

حينها أطلق الدكتور عبد الكريم الإرياني ، رحمه الله ، قولته الشهيرة: "ذُبِحت الدولة يوم ذُبِحت الثيران". طبعًا ، نقد لاذع قصد به واقعة نحر ثيران القبيلة هجرًا واعتذارًا لمقام الدولة المنتهك بزخات الرصاص على موكب الدكتور مكي ، وفي عاصمة البلاد صنعاء .

أهل الحديدة يمنحون المكان الذي يحلّون فيه شيئًا من طيبتهم . في حياتي لم أعثر يومًا على تهامي عالةٍ على الخلق، يتكسّب رزقه من البلطجة، أو قاطعٍ للطريق، أو شاهرٍ سلاحه لابتزاز وترهيب الآخرين .
وأظن أن الرسول ﷺ قصد بحديثه هذا الصحابي الجليل أبا موسى الأشعري التهامي وقومه: " أَتاكُمْ أهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أرَقُّ أفْئِدَةً وأَلْيَنُ قُلُوبًا، الإيمانُ يَمانٍ والحِكْمَةُ يَمانِيَةٌ ".

الخال الحاج عبدالله سعيد البرطي -رحمه الله- كان مناضلًا في ثورة التحرير ضد بريطانيا، وقبل الاستقلال استقر في الحديدة ، وهناك عاش حتى وفاته.
وبعد إعلان دولة الوحدة ، زار أهله في الضالع . التقيت به فسألته عن حاله هناك، وهل يفكر في العودة إلى مسقط رأسه بني خلف في جحاف؟! فأجاب مبتسمًا، ويده تمسح لحيته : ناس طيبون، العشرة ودودون وبسطاء ، تزوجتُ منهم وعشتُ بينهم كفرد منهم، فلم أحس يومًا بأي تصرف أَحمق ، أو كلمة نابية، أو جفاء من أي نوع. إنهم أهلي، وأعتز بهم ما حييت".

قبل الحرب كنت أحدّث قريبي وخليل قلبي سامي البرطي، بأن أمنيتي العيش في تهامة أو المهرة، حتى أنني عزمت ذات لحظة الرحيل إلى هناك .
نعم، إلى تهامة الفسيحة حيث الناس الطيبون ، فالحب في تهامة فطرة مكتسبة ومعاشة منذ خلق الله الإنسان في هذه التهائم ، فلم يخطئ الرحّالة الباحثون عن زهرة الخلد حين وصفوا كرم أهل تهامة ونقاء سريرتهم* .
فما من زائر إلا ويجد في المكان ملاذًا وطمأنينة . فهؤلاء القوم وبلادهم تهامة –أجمل ما في اليمن– يمكنها مداواة روحنا الممزقة، فلا تجد فيها متطفلًا يسألك برعونة أو تعالي : من أين وإلى أين؟!

أهل تهامة يسكنون قلب كل يمني، هم من يمنح حياتنا ألقًا ونقاءً وبهجة . فتيان في ريعان عمرهم تركوا المدرسة والأهل خلفهم ، أبدانهم أصابها هزال سوء التغذية، ووجوههم سمراء من شدّة الهاجرة في تهامة، وعيون أضناها مشقة السهر والتعب .
وبرغم البيئة القاسية والفقيرة، تجدهم يقهقهون، يأتوننا بخيرات أرضهم الطيبة ، وينشرونها بجود وسخاء ، وعلى كثافة عددهم وتوزعهم في مدن اليمن ، لا تسمع من يضيق منهم ، أو ترى فيهم خطرًا وجوديًا .

لهؤلاء التهاميين البسطاء - الذين يملأون دنيانا خيرًا وعطاءً وفرحًا - لهم منا أعظم سلام . من أعماق قلوبنا نبادلهم الحب والود ، ومعهم نُشدو مع الفنان القدير أيوب طارش، برائعة الشاعر الراحل علي عبد الرحمن جحاف:

وَاطَاير امْغرْبِ ذِيْ وَجَّهْت سَنّ امْتهايم
قلبي ضناه امْعَذابْ .
أحيان في مْزيدية واحيان منها وِشَايِمْ
شَيَّب وِعاده شَبَابْ .
دايم زماني وانا بين امْجَفا وامْغلايِبْ
ما ذقت طعم امْسَعَادة .
مِيّان له عز من فارق دِيار امْحَبايِبْ
وكيف يهناه زَادِه .
من سَيَّبْ مْزَهْبْ وِمْوادي وهوش امْزَرايِبْ
وخيمته وِمْقَعَادَهْ .
يدعس على امْزَرْبْ يِتكشَّم سموم امصايب
من عَافْ عِيْشَة بِلادِه .
في امْخَبْتْ وَانَا بِتَا مْدَبَعَةْ مِحمِّل جِمالي
من الخَميس لا جبل رَاسْ
يا ليتني عِشت جَمَّال
سُقْيا لتلك اللَّيَالْيِ
وانا على غير ذَا مْحال
مَسْتُور لاَبِيْ ولا ليِ ...

* "من كوبنهاجن إلى صنعاء": يوميات أول بعثة علمية استكشافية لليمن مطلع ستينيات القرن السابع عشر .

زر الذهاب إلى الأعلى