ترامب يتبع سياسة ملكة بريطانيا قبل أربعة قرون

Author Icon مروان الغفوري

يناير 30, 2026

‏شن ترامب حرباً خاطفة ضد فينزويللا، ثم أنهاها. بذلك صارت إلى الحرب التاسعة التي أوقفها في طريقه إلى جائزة نوبل للسلام.

وهو على وشك مهاجمة إيران وتدمير أصولها الاستراتيجية، ثم سيوقف الحرب فجأة وينهي "المأساة"، مضيفاً حرباً عاشرة إلى سجله الأخلاقي.

تفرض أميركا عقوبات على ستين بلد في العالم، وسبق لبايدن أن أصدر ستة آلاف عقوبة ضد "الأعداء" خلال عامين. في نهاية كل عام تصدر الحكومة الأميركية تقارير سنوية عن حالة الديموقراطية وحالة "حرية التدين" في العالم. ولكن أحدهم كان يصرخ: إني أرى الملك عارياً. أميركا تاهت داخل نفسها، وتعثرت بظلها الطويل.

النظام العالمي الذي عرفناه صار من الماضي وعلينا أن "لا نستسلم للنوستالجيا" كما قال ميرتز. نظام جديد قيد التشكل. في الحقيقة هو لانظام عالمي جديد. ما تعورف على تسميته "إجماع واشنطن"، أي قواعد السياسة والاقتصاد التي صاغتها أميركا منذ الحرب الثانية، يغادر المنصة.

إجماع بكين ممكن، ولكن على مستوى إقليمي. نهبط من العالمية إلى الإقليمية، كل بقعة من الأرض- تكتل من الدول- سيكون لها اقتصادها ونظامها الأمني، وقواعدعا السياسية. وبالضرورة شرطيها القوي!
هذه الواقعية الجديدة لا يمكن كبحها بحاملات الطائرات.

يتصرف ترامب على طريقة ملكة بريطانيا قبل أربعة قرون حين قالت لبحارها الشهير: امض في البحار وكلما وجدت أرضاً طيبة لا يحكمها مسيحي فهي لك. تتغير الأيام، ولم تعد بريطانيا مملكة الأمواج، ولا الاسترليني رئة العالم كم كان. أميركا تثير المشاكل لأنها إمبراطورية في طور الهبوط. الامبراطوريات الساقطة تثير الحروب والفوضى. ما سيجري مع إيران لا يمكن التنبؤ به، ولا بأي حمولة سيعود ترامب على ظهره: نفط فارس أم حطام سفنه. بالمجد أم المُر. سيخيف العالم أم سيكشف حدود القوة وهشاشتها.

في يناير ١٩٩١ أرادت أميركا أن تستعرض قوتها المفرطة في لحظة من التاريخ بالغة الأهمية: الانتقال من عالم ثنائي القطب إلى الأحادية الأميركية أو الباكس أمريكانا. في تلك الحرب تبخر الجيش العراقي وشاهد العالم صواريخ توماهوك التي يسيرها رأس إليكتروني ذكي. كانت الصواريخ، إذا تاهت في الصحراء، تدخل الأجواء الإيرانية ومن هناك تعود إلى العراق بعد أن يكون "الرأس الذكي" قد استعاد فهمه للخارطة. كانت حرباً تطابق تهديد جيمس بيكر لطارق عزيز في اللقاء الأخير بين الرجلين في جنيف. قال الأول: لا يمكنكم تخيل ما أعددنا لكم. وقال الثاني: إن ١٧ مليون عراقي لا يشكون لحظة واحدة في قدرتنا على النصر. وصارت الأمور إلى ما تعرفونه. رأى العالم حدود قوة المالك الجديد للكوكب وخضع لها. استمر الخضوع ل٣ عقود. تفيرت الأحوال الآن، حتى وإن قال نتنياهو - الذي يتحدث كأنه ترامب أو باسمه: سنخضع الجميع. لن تخضع الجميع، لم يعد ممكناً بسط اليد على كل البسيطة. سيدرك ترامب ودولته هذه الحقيقة. لكن الإدراك لا يأتي تجربة. فلتكن التجربة قاسية.

أميركا في لحظة هبوط، وتريد أن تقول للناس: لا، نحن لا نهبط، نحن نحلق على ارتفاع شاهق. في دافوس قال ترامب للحاضرين: انظروا إلى ما فعلناه بمادورو لتعرفوا كم نحن أقوياء.

على الأرجح ستكون هناك مغامرة غير آمنة في إيران. انتظر الملالي ألف سنة حتى يتمكنوا من بناء عرش للمهدي. وانتظر التوراتيون ألفي سنة حتى يتمكنوا من بناء عرش/ هيكل لمخلص آخر الزمان. العرشان يهدد بعضهما بعضاً، أحد الرجلين (المهدي/ يسوع اليهودي) لن يتمكن من العودة إلى العالم. ذلك أن على أحد العرشين أن يُسوى بالأرض. هذا جنون. ولكن الجنون ليس غريباً على كوكبنا. هل سيسمح المؤمنون بأن يكونوا سبباً في ضياع مخلصهم؟ ورد عن المرشد أنه قال: سندافع عن هذه الجمهورية (الإسلامية) ولو اضطررنا لقتل المهدي نفسه. أي الرجل الذي تأسست الجمهورية عشان خاطر عيونه! ماذا سيفعلون مع ترامب الذي يهدد حلم آخر الزمان؟

صورة العرشين المتقابلين تخلق للمغامرة رهبة من نوع خاص وتجعلها قيامية. هل يسعى ترامب وراء حلم توراتي؟ بل الحلم التوراتي يجد ضالته في أحلام ترامب، وفي الجينة الاستعمارية. في العالم جرعة سامة من اللاهوت، حتى الهند يوشك أن ينخر عظامها. يحمل لنا هذا العام ما لاعين رأت، ولا نحمل له شيئاً.

م. غ.

زر الذهاب إلى الأعلى