ضغط حزب الاصلاح لإقصاء التكتلات السياسية الأخرى

Author Icon جمال الشعري

فبراير 5, 2026

بعد المقال الذي كتبته والذي يصف ضغط حزب الاصلاح للحكومة بوضع حصصها مع اقصاء التكتلات السياسية الأخرى ،سألني أحدهم: لماذا يمتلك هذا الحزب قاعدة جماهيرية عمياء تدافع باستماتة عن الحزب دون وعي أو ادراك للأحداث؟
وهذا سؤال مهم، وبالتالي يجب تشريح ما يحدث بدقة توضح هيكلة القاعدة، لهذا الحزب من التغييب إلى التنفيذ:

إن ما يمارسه حزب الإصلاح في بلدنا يتجاوز العمل الحزبي التقليدي، فهو حزب يعتمد على هيكلية الدوائر المتداخلة، حيث تعمل كل دائرة كعازل يحمي النواة الصلبة من الانكشاف الأخلاقي أو السياسي، ووصولهم لهدف تصديق المجتمع لهم يشير إلى عمق الهندسة الاجتماعية التي اتبعها الحزب.

كما تتبعه بعض التنظيمات العقائدية لتحويل الحزب من أداة سياسية ،إلى نظام سري قوي من الصعب كشفه للمجتمع وهو تطبيق عملي لنظريات غوستاف لوبون في (سيكولوجية الجماهير) ونيكولو مكيافيللي في (الغاية تبرر الوسيلة)، وتتكون دوائرهم من أربع شرائح:

أولاً: القاعدة الجماهيرية (سيكولوجية القطيع)

هذه الفئة تمثل الكتلة الحرجة التي تتحرك بدافع العاطفة .. فلسفياً تقع هذه الفئة تحت تأثير ما يسمى بـ (تأثير آش - Asch Conformity) حيث يميل الفرد لإنكار الحقيقة الواضحة (لون الحليب الأبيض) إذا أجمع المحيطون به على نقيضها (اللون الأسود).
وهم ضحايا التنميط الذهني الذين يرون في الحزب حامي العقيدة، وبالتالي يصبح نقد الحزب في وعيهم مرادفاً لنقد الدين نفسه، وذلك يعود لسبب يظهر في الشريحة الثانية

ثانياً: القشور الأخلاقية (غسيل القيم)

يمثل هؤلاء واجهة العرض النظيفة، فهم أشخاص يتسمون بالنزاهة الفطرية والقبول المجتمعي، ويستخدمهم الحزب كدرع أخلاقي.
وعبرهم يطبق الحزب مفهوم التضليل بالفضيلة، وهؤلاء هم من المغفلون النافعون (بالمعنى السياسي) الذين يمنحون الحزب شرعية شعبية في القرى والحارات، ووجودهم يجعل من الصعب على العامة تصديق أي تهمة فساد، لأن (فلان الشخص الصالح) ينتمي لهذا الحزب، فكيف يكون الحزب سيئاً؟
وهؤلاء يتم إبقاؤهم في منطقة العمى التنظيمي ،حيث تُفسر لهم الانحرافات كأخطاء فردية ،لئلا تصطدم قيمهم مع حقيقة التوجه العام.
وغالباً ما تكون هذه الفئة من الصالحين وخطباء المساجد والعاملين في الجانب الخيري

ثالثاً: التكنوقراط والقيادات الميدانية (البيروقراطية الوظيفية والولاء المشروط)

هذه الفئة هي المحرك التنفيذي ومنهم (مدراء، قاداة ألوية، وزراء)، ويجمعون بين الوجاهة الاجتماعية وبين القسم الغليظ (اليمين على الولاء لحزب الاصلاح بالمصحف).
وبهؤلاء يطبقون نظرية تجزئة المسؤولية، وهم يعلمون بوجود انحرافات لكنهم يبررونها بـ (فقه الضرورة) أو (مصلحة الدعوة للوصول للسلطة وخدمة الدين الاسلامي).
ويأتي دورهم بتأمين الموارد، فهم يسرقون الدولة لإطعام وتموين خزينة التنظيم ،وليس بالضرورة لجيوبهم الخاصة، مما يخلق لديهم شعوراً زائفاً بالنزاهة (أنا أختلس من أجل قضية كبرى، لا من أجل نفسي)، وهذا قمة التزييف الوجداني الذي يغالطون به ضمائرهم.
ومن هذه الشريحة أفراد مغيبون أيضاً وصالحون ولكنهم يؤمنون بقضيتهم وبالولاء لها

رابعاً: النواة الصلبة أو الرأس (النخبة الباطنة وأصحاب السيادة المطلقة)

مع هؤلاء تكمن الغرفة المظلمة حيث الولاء ليس للحزب بل للتنظيم الدولي الذي يسمى (حركة الإخوان المسلمين) وفيهم المرشد وهو صاحب القرار الأول، والمرشودون وهم المنفذين للقرارات، وقسمهم هنا ليس على المصحف فقط ،بل يمتزج برمزية القوة (المسدس) فيحلفون اليمين على المصحف والسلاح، مما يعني أن الخروج عن الطاعة هو خروج عن الملة وخيانة للعهد.
يظهر هؤلاء الباطنة السياسية للناس خطاباً مدنياً ديمقراطياً، بينما تُدار الأمور بعقلية المرشد والارتباطات الخارجية (توازنات القوى مع بريطانيا أو غيرها).
وأهدافهم السيطرة المطلقة، من خلال تغييب الوعي الطبقي للدوائر الثلاث السابقة، لضمان بقاء النخبة في سدة القرار والتحكم بمصائر الثروة والسلطة.

والخلاصة التحليلية لكل ما ذكر إن حزب الإصلاح يدير دولة داخل الدولة عبر نظام الولاءات المتعددة الطبقات، والسر في استماتة القاعدة الجماهيرية ليس في قوة الحزب السياسية، بل في نجاحه في ربط الخلاص الروحي للفرد بالبقاء السياسي للتنظيم وبذلك فهم ناجحون في تغييب المجتمع ووهمهم بأن هذا الحزب هو الخلاص والمنقذ للبلد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى