‏الحكومة الجديدة واختبار الثقة المؤجل 

Author Icon مصطفى ناجي

فبراير 7, 2026

لم تتوقف التعليقات منذ أمس حول تشكيل الحكومة الجديدة في اليمن –في قطاع الشرعية–، وأظن أن مجالس المقيل نهار اليوم لن تتخلف عمّ يفعله الناس على وسائل التواصل، ولن تنشغل بشيء غير الحديث عن هذه الحكومة، وتفصّل وتفرز وتنقّي الوزراء كما يفعل الناس في تنقية حبوب القمح أو السمسم.

في هذه الزحمة التفتُّ إلى أمرين:

أولًا: أن الناس، سواء من مناطق سيطرة الحوثيين أو من مناطق الحكومة، تهتم اهتمامًا كبيرًا بالتغييرات السياسية داخل هذه الحكومة. بل إن مناطق سيطرة الحوثيين تهتم بتغيرات السياسات في الشرعية أكثر من اهتمامها بالحكومات الذاهبة أو الآتية في سلطة الحوثي.

وهذه نقطة مهمة تثير الفرح والغم على السواء. والمفرِح فيها أن الناس ما تزال تؤمن بالجمهورية اليمنية، وتمثلها دولة لليمنيين، لا للإمامة أو الكهنوت أو مشاريع التمزيق، ولم تمنح في ضميرها العميق أي شرعية لغاصب سلطة. وهذا الشيء المفرِح يزرع غمًّا ثقيلًا يُطبِق على الصدور النبيهة، من حيث إن الحكومات السابقة لم تكن تبادل نصف اليمن ذاك هذا الاهتمام والرعاية والحرص على أن تكون عند مستوى التوقع، فتعبّئ الطاقات من أجل تحرير الناس واستعادة السيادة الكاملة. وبالتالي فإن هذا الأمر المفرِح يحمّل الحكومة اليمنية مسؤولية جسيمة عليها ألّا تتهرب منها. وكم كنت أتمنى لو أنها عيّنت، ضمن من عيّنت من وزراء دولة بلا ملفات، وزير دولة معنيًّا بمناطق سيطرة الحوثيين.

الشيء الثاني هو أن التحولات الأخيرة أعادت الناس إلى قلب الاهتمام السياسي، وهذا تحول لا ينبغي تفويته من قبل صانع القرار والمسؤول التنفيذي الأول بالاستناد إلى الشعب.

لم يحدث أن وُقِع اهتمام بالتشكيل الحكومي كهذا إلا في لحظة ما بعد 2011،
وهذا يدل على أن هناك آمالًا كبيرة وضخمة معقودة على عاتق هذه الحكومة بعد ان تغيرت موازين القوة داخل صفوفها وانجل هم التشرذم وتخفف صلف الانتقالي، وبقدر ما تكون الآمال عالية تكون الخيبات قاسية وسحيقة.

غير أن النقطة الباعثة على الأسى في هذا كله أن الجميع يدور حول ما هو شخصي وينسى الموضوعي–المؤسسي.
ينظر الناس إلى الحكومة وينتظرونها على أنها ليست حكومة أداء أو تحدٍّ، بل حكومة تخليص وإنقاذ.
ويبحثون في الوزير عن مُخلِّص، ويرون فيه المعجزة التي ستقلب حياتهم. لكن الحقيقة غير ذلك.
أنا لا أقلل من الدور المحوري للفرد المسؤول، لكن المسألة تتعلق بالنجاح المؤسسي وببناء كاريزما بيروقراطية، بتعبير فيبر، تدوم ما بقيت هياكلها ونظمها.
ومهمة الوزير الحالي مزدوجة: تلبية النزعات النرجسية الذاتية الكامنة وراء هوس الاستوزار لدى البعض، والمترجمة في ترويج ودعاية وصور وتغريدات غالبًا ما تكون جوفاء ولا تعكس الحقيقة الميدانية، وفي المقابل بناء مؤسسات قادرة على مواجهة التحديات من خلال العمل الجماعي، واعتماد وبناء فريق عمل منسجم، ملتزم بالأطر العامة الموجِّهة للوظيفة الحكومية، وقادر أولًا على رسم مستهدفات مرحلية وتوفير الطاقات اللازمة لتحقيقها.

لنلاحظ أننا لم نسأل ما هو برنامج الحكومة، بقدر ما غرقنا في السؤال عن شخوصها وخلفياتهم الجهوية والحزبية استسلاما لهذه المعادلة التي كان ينبغي أن تظل ضمنيةً وخجولة.

لم تكن الحكومات السابقة تخلو من كفاءات، لكنها كانت مشلولة نتيجة عوامل أخرى يُفترض العمل على تفاديها: الانقسام الحاد والاستقطاب، الأمان من العقوبة وغياب الرقابة، عدم الالتزام بخط حكومي واحد، وعدم احترام لوائح وقوانين ودستور البلاد، والغياب عن الميدان والعيش في حلقة ضيقة لها همومها ومنفصلة عن الواقع.
غياب هِمّة لتحقيق النجاح، وإحساس بالمسؤولية تجاه المواطن والبلاد.
غياب احترام ذات يظهر في تزلف مقرف للقريب والبعيد والافتقار لوازع ذاتي يجعل الموظف يتعفف عن الكسب غير المشروع.
وأظن أن هناك ضرورة لتقييم المراحل السابقة لتحديد توجهات الحكومة الحالية.

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى