شباب اليمن: جيل الحاضر يبني وطنًا يتسع للجميع ويؤمن بالتعايش

Author Icon الدكتور / نادر السقاف

فبراير 9, 2026

لطالما ترددت إلى أسماعنا عبارة "الشباب هم عماد المستقبل" في الخطب المدرسية، وفي المناسبات الرسمية، وحتى في الأحاديث اليومية داخل البيوت.

تبدو العبارة في ظاهرها مدحًا، لكنها تخفي في طيّاتها مشكلة عميقة؛ فهي تدفع بدور الشباب دائمًا إلى الغد، إلى وقتٍ لم يحن بعد، وتُشعرهم أن لحظتهم الحقيقية لم تأتِ بعد، وأن الحاضر ملكٌ لجيلٍ آخر.

في بلدٍ مثل اليمن أنهكته الحروب والانقسامات، وتراكمت على كاهله الأزمات، لم يعُد ممكنًا أن نخاطب الشباب باللغة ذاتها التي اعتدناها. فالحقيقة التي ينبغي أن نعترف بها بوضوح هي أن هذا الزمن، قبل أن يكون زمن البالغين الذين يتصدرون المشهد، هو زمن الشباب أولًا؛ زمن من يدفعون الثمن الأكبر، ويملكون في الوقت نفسه الطاقة الأقدر على إحداث التغيير.
اليمن اليوم لا يحتاج إلى شباب ينتظرون دورهم في طابورٍ طويل من الوعود المؤجلة، بل يحتاج إلى شباب يدركون أن مسؤوليتهم بدأت بالفعل، وأن تأجيل دورهم يعني تأجيل أمل البلد كله.

فالمستقبل لا يولد من فراغ، بل من قراراتٍ صغيرة تُتَّخذ في الحاضر. حين يختار شاب أو شابة في حيٍّ شعبي أن ينظّم مبادرة بسيطة لخدمة منطقته، أو يختار طالب في الجامعة أن يفتح مساحة حوار هادئ بين زملاء مختلفين فكريًّا؛ فإنه لا يقوم بعمل رمزي عابر، بل يضع حجرًا في أساس يمنٍ مختلف، أكثر تماسكًا وقدرة على التعايش.

عندما نتحدث عن التماسك المجتمعي في اليمن، كثيرًا ما نقفز مباشرة إلى السياسة، إلى الاتفاقيات والحوارات والمفاوضات، لكن التماسك، قبل أن يكون نصوصًا تُوقَّع في الفنادق وقاعات المؤتمرات، هو شعورٌ يتكوّن في الأزقة الضيقة، وفي أسطح المنازل، وفي ساحات المدارس والجامعات، وبين جدران البيوت المتعبة وفي عصرنا هذا حتى على الفضاء الافتراضي.

النسيج الاجتماعي لم يتمزق في البيانات، بل في تفاصيل الحياة اليومية؛ عندما بدأ الجار ينظر إلى جاره بسؤال: "من أي جماعة هو؟" قبل أن يسأل عن حاله وصحته، وعندما صار الولاء للمذهب أو الحزب أو المنطقة أو الدين أقوى من الانتماء للإنسان الذي نعيش إلى جواره ونتشارك معه الخبز والماء والهمّ.

في هذا المكان تحديدًا، يظهر دور الشباب بوضوح. الشاب الذي يقرر أن يتعامل مع الآخر بوصفه إنسانًا أولًا، لا امتدادًا لجهةٍ أو طرف، يكون قد قطع خطوة حقيقية نحو ترميم هذا النسيج. الفتاة التي تصرّ على أن صديقتها المختلفة معها فكريًّا ليست خصمًا، بل شريكة في نفس الوجع، تتجاوز حدود الخلاف، وتؤكد أن ما يجمعنا كبشر في هذا البلد أكبر من كل ما يفرّقنا.

التماسك المجتمعي لا يولد دفعة واحدة، بل ينمو على مهل، في قلوب الأفراد، قبل أن ينعكس في صورة عامة للمجتمع كله.

كلمة "التعايش" ربما تبدو ثقيلة على آذان البعض، لأنها استُهلكت في السنوات الأخيرة في الندوات والشعارات،  لكنها في حقيقتها ليست فكرة غامضة أو بعيدة، بل هي سلوك يومي بسيط يمكن أن نراه في أبسط المواقف.

التعايش لا يعني أن نتنازل عن قناعاتنا أو نذيب اختلافاتنا، بل يعني أن نعترف بحق الآخر في أن يكون مختلفًا، دون أن نُسقِط عنه احترامنا له كإنسان في قاعةٍ دراسية تجمع طلابًا من محافظاتٍ مختلفة، يتجسد التعايش عندما يجلس هؤلاء إلى جوار بعضهم، يتبادلون المعرفة والضحك والطموح، دون أن يتحول أصل أحدهم أو انتماؤه إلى حاجزٍ أو تهمة. وفي حارةٍ واحدة يسكن فيها أناس من مشارب متباينة، يظهر التعايش عندما يكون معيار الاحترام هو السلوك والخُلُق وخدمة الناس، لا الهوية الفرعية أو الموقف السياسي أو المذهب أو حتى الدين.
الشباب يمكنهم أن يكونوا الجسر الأوسع لهذا التعايش في اليمن، لأنهم أقل ارتباطًا بحمولات الماضي الثقيلة، وأكثر استعدادًا لتجريب طرق جديدة في التفكير والعيش.

صحيح أنهم أكثر الفئات تعرضًا للاستقطاب الإعلامي والفكري، لكنهم في الوقت نفسه الأكثر قدرة على قلب المعادلة، إذا قرروا أن يستخدموا أصواتهم ومساحات تواصلهم في نشر خطاب مختلف.

تخيل مثلًا لو أن جزءًا بسيطًا من الوقت الذي يُنفق في تبادل السجالات العقيمة على وسائل التواصل، استُثمر في بلورة مبادرات لخدمة الأحياء، أو في نشر قصص تعايش حقيقية بين اليمنيين في مناطق مختلفة؛

كم سيكون لصدى ذلك من أثر على الوعي العام، على الأقل في تخفيف حدة التصورات المسبقة والخوف المتبادل.؟
في عمق هذه الأفكار تقف مجموعة من القيم الإنسانية التي يمكن أن يتفق عليها اليمنيون، مهما اختلفت مذاهبهم أو توجهاتهم.

الإيمان بأن البشر أسرة واحدة يتشاركون الكرامة قبل أي شيء آخر، يمكن أن يشكّل أساسًا جديدًا لنظرتنا لبعضنا البعض. حين يرى الشاب في ابن محافظته وابن محافظاتٍ أخرى أخًا في الإنسانية، لا خصمًا في معركة، يصبح الطريق إلى التماسك أقل وعورة. وعندما يرفض الانجرار وراء خطابٍ يحرّضه على كراهية من يخالفه، ويصر على أن اختلاف الرأي لا يلغي حق الحياة والاحترام، فإنه يمارس شجاعة أخلاقية يحتاجها اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى.
ومن القيم الجوهرية التي يمكن أن تجدد من تصوراتنا المجتمعية أيضًا، قيمة خدمة الناس بوصفها جزءًا أساسيًّا من معنى الحياة.

حين يتحول سؤال الشاب من "كيف أنجو وحدي؟" إلى "ماذا أستطيع أن أقدّم لمن حولي؟"، يصبح شكل المستقبل مختلفًا، الخدمة هنا ليست مشروعًا ضخمًا يحتاج إلى تمويل كبير، بل يمكن أن تكون دروس تقوية لأطفال الحي، أو مبادرة لتنظيف شارع، أو حملة توعية صحية في قرية نائية، أو مساحة آمنة للحوار بين شبابٍ يختلفون لكن يجمعهم الهمّ نفسه.

مثل هذه الأعمال الصغيرة، حين تتراكم، تبث في الناس شعورًا بأنهم ما زالوا قادرين على البناء رغم الخراب، وعلى المشاركة رغم الفقر، وعلى التضامن رغم الانقسام.
ولا يمكن أن نتصور مجتمعًا متماسكًا دون أن تكون النساء جزءًا أصيلًا من عملية البناء هذه. تمكين الشابات في المدن والقرى، وإفساح المجال أمامهن للمبادرة والقيادة والمشاركة في صنع القرار المجتمعي، ليس ترفًا فكريًّا أو تقليدًا لنماذج بعيدة، بل هو استعادة لميزان العدالة.

الشاب الذي يرى في أخته أو زميلته شريكة حقيقية في الهمّ والمسؤولية، ويتعامل معها على هذا الأساس، يفتح بابًا واسعًا لمجتمعٍ أكثر توازنًا وأقرب إلى قيم الإنصاف التي يتغنى بها الجميع.
الكثير من شباب اليمن عاشوا تجارب قاسية: فقدان قريب، أو تهجير من منزل، أو حرمان من تعليم، أو بطالة طويلة، أو شعور بعدم الأمان. هذه التجارب يمكن أن تدفع بالبعض إلى الإحباط أو الانسحاب، لكنها يمكن أيضًا أن تتحول إلى وقودٍ لتغييرٍ عميق.

الشاب الذي ذاق مرارة الغربة داخل وطنه، يفهم معنى الوطن أكثر من كثيرين لم يضطروا لترك بيوتهم قط، ومن هنا يستطيع أن يكون صوتًا قويًّا في الدفاع عن حق الجميع في العيش الكريم. ومن فقد صديقًا أو أخًا بسبب خطاب الكراهية والتحريض، يمكن أن يصبح أصدق من يتحدث عن خطورة هذا الخطاب، لأنه لا يتكلم عن أفكار مجردة، بل عن جرحٍ عاشه بنفسه.

في النهاية، لا أحد سيتكفل ببناء التماسك المجتمعي والتعايش في اليمن نيابة عن شبابه. يمكن للسياسة أن تفتح الأبواب أو تغلقها، لكن من يدخل من هذه الأبواب هم الناس، وعلى رأسهم الشباب.

المسؤولية اليوم ليست أن ينتظروا ما ستقرره النخب، بل أن يقرّروا هم كيف يريدون أن تكون علاقتهم ببعضهم البعض، وكيف يريدون أن تبدو اليمن الذي سيكبرون فيه ويُربّون أبناءهم على أرضه. كل قرار صغير يتخذه شاب أو شابة: أن يحترم المختلف، أن يخدم مجتمعه، أن يمدّ يد الحوار بدلًا من يد الاتهام، أن يرى في اليمن بيتًا يتسع للجميع لا ساحة لتصفية الحسابات، هو خطوة واقعية نحو تغييرٍ أكبر مما يبدو.
نعم، يمكن أن نكرر العبارة القديمة ونقول إن الشباب هم عماد المستقبل، لكن الأصدق من ذلك أن نقول: إن الشباب هم روح الحاضر، وهم الذين بوعيهم اليوم، وبما يبذلونه الآن من جهدٍ صامت ومبادرات صادقة، ينسجون خيوط الغد. إن زمنهم ليس وعدًا مؤجلًا، بل هو هذه اللحظة بالذات؛ اللحظة التي يملكون فيها أن يختاروا بين أن يكونوا ضحايا لصراعاتٍ لم يصنعوها، أو بناةً ليمنٍ جديد يتسع للجميع، ويحفظ كرامة الجميع، ويؤمن بأن التماسك والتعايش ليسا حلمًا بعيدًا، بل طريقًا يبدأ من القلب.

زر الذهاب إلى الأعلى