توكل كرمان ووهم اسقاط النظام

Author Icon حسين الوادعي

فبراير 10, 2026

‏الأستاذة توكل كرمان تعيش حالة ذهنية اقتنعت بها عبر السنين، وهي أنها هي التي أسقطت الرئيس الراحل صالح، وأنها فازت بنوبل كـ«زعيمة» للثورة.

كلنا نعرف أن صالح رحل باتفاقية سياسية في ظروف معقدة، كان الضغط الخارجي والانقسام الداخلي في الجيش السببَ الرئيسي فيها،وأن انقسام الجيش وسقوط معسكرات الحرس تحت هجمات الجهاديين، إضافة إلى التخلي السعودي والدولي عن صالح، أدّت إلى رحيل الرجل القوي.

إلا  أن البعض مقتنعين بأن صراخهم في ساحة الجامعة ومظاهراتهم التي كانت تتم بتصريح رسمي من قوات الفرقة والإصلاح هي السبب في سقوط صالح، أمرٌ أقرب إلى الكوميديا ولا يمكن مناقشته عقلانيًا.

أنا سعيد بفوز يمنية بجائزة نوبل، لكن الأستاذة توكل تنسى أن نوبل كانت هدية من الأكاديمية السويدية-النرويجية إلى الثورة اليمنية أكثر مما هي هدية شخصية لتوكل. وإذا كانت الجائزة تحمل اسم «السلام»، فلم تكن توكل – التي كانت تدعو لاقتحام المؤسسات الحكومية والمواجهات الدموية – أفضل رمز للسلام. لكن كان لا بد من رمز للثورة اليمنية، وبسبب محدودية معرفة الأجانب عن اليمن، كانت الأستاذة توكل الشخصية الأشهر والأقرب.

مشكلتي أن نوبل اليمنية خدمت قطر أكثر مما خدمت اليمن، وهذا حديث يمكن تفصيله لاحقًا.

لكن الاحتفالات الطقوسية السنوية التي تقيمها الأستاذة توكل مع «مجلس شباب الثورة» المملوك لها، تكاد تتحول إلى «حادثة غدير» دولية، الغرض منها حصر الثورية والوطنية والمصداقية في المجلس المختار وسلالته من الشباب الذي لا يشيخ، حتى ولو شاب بعضهم خلال السنوات الماضية وصار يدهن مفاصله بمراهم التهاب المفاصل قبل النوم.

بعض «الفبراريين» يتعاملون وكأن صالح لا يزال في السلطة، ويحسبون أن شتمه فعل شجاع وثوري، وكأن أجهزته المخابراتية لا تزال تلاحقهم. في علم النفس الفرويدي هذا اختلال نفسي يُدعى «التثبيت» (Fixation).

تلك الحالة التي يتوقف فيها النمو النفسي عند لحظة صادمة أو مُشبِعة أكثر من اللازم، فيظل الإنسان عالقًا فيها، يعيد إنتاجها، ويعود إليها كلما عجز عن التعامل مع تعقيد المراحل اللاحقة.
الثورة كانت تلك اللحظة: لحظة المواجهة الكبرى مع «الأب السلطوي»، لحظة الانتصار الرمزي، لحظة الشعور بالقوة والوضوح. وحين انتهت بالفشل المنتصر والانتصار الفاشل، لم يعرف كثيرون ماذا يفعلون بعدها!!

لهذا تبدو احتفالاتهم بالثورة أقرب إلى طقوس طفولية متكررة، لا لأن الفرح خطأ، بل لأن التكرار نفسه صار تعويضًا نفسيًا عن العجز عن التقدّم. نفس الأغاني، نفس اللافتات، نفس الصور التي تُستدعى كل عام، وكأن إعادة المشهد تمنحهم شعورًا مؤقتًا بالسيطرة على واقع فقدوا القدرة على فهمه. فرويد يسمّي هذا «العودة القهرية إلى نقطة التثبيت»، حيث الراحة النفسية أعلى، والمسؤولية أقل.

في هذه الحالة، يصبح صالح ضرورة نفسية لا خصمًا سياسيًا، ويتم التعامل معه وكأنه لا زال يحكم اليمن من دار الرئاسة في السبعين. فعليا أصبحوا لا يستطيعون الحياة دون صالح، فوجوده الرمزي يسمح باستمرار الإسقاط، وكل فشل جديد يجد له تفسيرًا جاهزًا، وكل واقع معقّد يُختزل في عدو قديم.

أتمنى من الأستاذة والثائرة توكل ومجلس شبابها الدائم من «الولدان المخلّدين» الذين لا يزالون شبابًا رغم مرور السنين، أن يدركوا أن صالح مات، وأن هناك عدوًا جديدًا اسمه الحوثي، وأن الشجاعة الحقيقية في مواجهته داخل اليمن، بدل طعن الخيالات والأشباح بسيوف خشبية، والاحتفال بشتم الموتى.

تحياتي وتعاطفي الكامل.

زر الذهاب إلى الأعلى