الجنوب وعباءة الوصاية ..

Author Icon محمد علي محسن

فبراير 11, 2026

اسمعوا وعُوا، المسألة ليست عنادًا أو مكابرة، ولا نحن في حلبة مصارعة الثيران الإسبانية. المرحلة حرجة وحساسة، لا تحتمل المزيد من العبث والفوضى .

لهذا، ينبغي أن تعلو فيها الان أصوات العقلاء، وأن تخفت قرعات الطبول، بل وتتوقف . الساحة اليوم لا تستدعي حملة البنادق والقنابل ، ولا خطبًا صاخبة تؤجج الانقسام والتشظي؛ إنما هي موعد مع حملة راية الفكر، والمفاهيم الرصينة، والحوارات الجادة.

الجنوب ملكٌ لكل أبنائه ، ومن يظن أنه الوصي الوحيد على قضيته فهو واهم ، أو باحثٌ عن مجد زائف أو سلطة . لا يوجد جنوبي وطنيته عالية وآخر وطنيته منخفضة ، فكلنا جنوبيون ، من هذه الأرض، وما من بيت أو عائلة إلا وقدمت حبيبًا أو قريبًا .

دعونا نتحاور كشركاء حقيقيين، لا كتابعين أو ملحقين . نناقش بهدوء وروية وحرية، دون قيود أو إقصاء، دون أنانية أو تعالٍ .
سأقولها بصدق ، ومن النهاية ، فحوار الرياض،أو أي حوار جنوبي-جنوبي، يجب أن يكون محوره الأساسي المستقبل . هل الحل هو باستعادة الدولة الجنوبية ، أم صياغة وضع جديد ضمن دولة اتحادية فيدرالية؟

أما النقاشات التي تدور حول جذور القضية الجنوبية، فلا أراها إلا تبديدًا للجهد والوقت . فمؤتمر الحوار الوطني الشامل في صنعاء لم يبقِ شاردة ولا واردة إلا وناقشها، وباستفاضة وحرية لن تتكرر .

المشكلة لم تكن في إهمال لطبيعة الجذور التاريخية، بل في الاختلاف على ماهية النتيجة النهائية .
لدينا فصيل لا يرى حلًا غير استعادة الدولة الجنوبية ، إذ يعدّ البقاء في الوضع الراهن مستحيلًا بعد كل ما جرى .
وفي المقابل، هناك فصيل آخر لم تتح له فرصة التعبير عن ذاته بشكل كافٍ ، لا يرى في السياسة مستحيلًا ، بل يراها ممكنات ، ويتمسك بخيار الإقليم أو الإقليمين، ولا يمانع في قبول الأفكار الأخرى .

وبين هذين المكونين والخيارين ،ثمة فصيل متوجس أو فئة قلقة ، ترى الحل في تجسيد تطلعات مجتمعاتها المحلية بما هو أكبر وأعلى من مجرد إقليم على خارطة المستقبل .
في جميع الأحوال، الجنوبيون معنيون بحوار وطني جاد يحقق لهم أحلامهم وتطلعاتهم في دولة عادلة مستقرة. سواء كانوا مع الانتقالي أو ضده ، يبقى القاسم المشترك هو المستقبل الذي يليق بهم وبالأجيال الحاضرة والقادمة.

وعلى هذه القاعدة يجب طرح كل المسائل للنقاش والحوار ، بصدق وشفافية وثقة. وهذا لن يتحقق إلا في حالة واحدة فقط: ألا يقرر أحد مصير الجنوب دون سواه.

الجنوب ليس وصية أحد ، ولا غنيمة حرب، ولا ورقة تفاوض تُقسم على موائد تركة رجل ميت . الجنوب فكرة تسكن الروح قبل الأرض، ووعد لم يمت رغم الجراح.

لقد آن الأوان أن نتحرر من عباءة الوصاية ، ونخلع عن أرواحنا ثوب اليأس والتبعية . فالقضية ليست ميراثًا محصورًا ، ولا امتيازًا لفئة دون سواها . هي قضية عادلة بأيدي الأحرار ، وغاية سامية أمانة في أعناق الجميع ، فإما أن نصنع المستقبل معًا ، أو نظل أسرى الماضي .

وخيارنا اليوم سيُكتب في سجل التاريخ ، إما حكاية وطن نُعيد بناءه بوعي وعدالة، أو ندفع ثمن الصمت والانقسام لأجيال لم تذنب سوى أنها وُلدت في زمن الرماد .
فلنكن نحن من يكتب الحدث التاريخي كي نضع حدا لإرث مؤلم ، لا من ينتظر غيره ليكتبه أو يمعن في الاستبداد وتبديد الممكنات .

 

زر الذهاب إلى الأعلى