من هواجس العولمة إلى سُرّة القرية
عندما أفقت من طفولتي نحو مراهقة تشكّلت تحت ضغط مصطلح "العولمة"، كانت النبوءات مقلقة ومثيرة للاهتمام في آنٍ واحد.
كل شيء كان متصلاً بالعولمة، وكل الألسن تلهج بها. من المذياع إلى صفحات الجرائد إلى برامج التلفزة، وبالطبع المجلات الشهرية والكتب؛ آهٍ! تلك الكتب ناعمة الملمس، جذابة الأغلفة، وعلى ترويساتها علم دولة الكويت المنثني في شعار المجلس الأعلى للثقافة.
كانت العولمة هماً اجتياحياً ومفتاحاً سحرياً في جعبة المثقفين.
قفزةً في مجهول الهيمنة الثقافية الغربية، واختصارَ الحدود، والقريةَ الكونية، والتنميطَ، والاستهلاكَ، والتسليعَ، وما إلى ذلك.
أتذكر أني قرأت في يوم من الأيام في مجلة «العربي» مقالاً لعالم الاجتماع حامد أبو زيد يبشّر فيها بتحول رقمي مذهل يصل إلى العاطفة والاحتياجات البيولوجية، وأن جيلاً برمته سيستبدل العلاقات الحميمية الحقيقية وينتقل إلى الجنس الافتراضي.
كنت حينها شاباً أعزب لا أعرف ما هو الجنس ولم أجرّبه، وقلقت كثيراً أني سأنتقل إلى الطور اللاحق وأصاب بلعنته الكلية.
كنا عرباً أقحاحاً نترصّد ونتوجّس من الأمركة الناعمة التي لا تقف ولا تعترف بحدود ثقافية، ولا تعنى بالتاريخ، ولديها ثلاث أوراق سحرية: الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والمواطن الكوني.
ثم انتهت عشرية التسعينيات بهمّ كبير هو مشكلة الصفر في الحواسيب.
كنت حينها أشغل بالي كثيراً في كيف أن التواريخ ستتلخبط عند الانتقال إلى العام 2000، مع أني حينها لم ألمس لوحة مفاتيح واحدة في حياتي، ولا أعرف ما صوت النقر على فأرة الحاسوب.
انتهت تلك الحمى بعشرية الإرهاب، وانهيار العراق الفاجع، وقلق انفجاري ثقافي وروحي، وصورة تحلّل للعربي أو المسلم، مع هموم دائمة لحروب لا تتوقف في جغرافيا العالم. بينما الرئيس صالح يظهر على التلفزيون بثنيتيه وشاربه الأسود أنيقاً مكتمل البهاء ومنفوخاً كالطاووس يحاضر الاكاديميين اليمنيين في حب الوطن وخدمته.
في تلك الفترة لم أكن قد خرجت من اليمن إلا في رحلات الكتب والمجلات التي قادتني إلى شلالات فيكتوريا، وجبال الأنديز، وسهوب منغوليا، وبالطبع مغارات فرنسا وشوارع كاراكاس.
صنعاء كانت هي الانتماء، وهي العالم. كانت لهجتي الصنعانية تتسم بعنفوان القادم المتفاخر. ثم مضى الوقت وأصبحت العولمة شيئاً ثانوياً يذوي الاهتمام به، ويُستبذل ويَرخص القول عنه.
ظهرت الحدود المحلية، وانفجرت في العالم العربي قرحة عضال هي المحليات والخصوصيات.
عودة نحو البيت، وإغلاق الأسوار، والتقوقع في خصوصية دينية ولغوية بسبب لوثة ارتداد مفارقة ومضادة للعروبة أيضاً، تستنهض نعرات مذهبية وما قبل إسلامية.
لكن العولمة ظلّت حبلى دون عقد شرعي، فأنجبت بنيناً خُدّجاً أو خلاسيين، آخرهم الذكاء الاصطناعي.
اليوم كل شيء يتحدث «إيه آي».
الوليد الآخر في عالمنا العربي هو الذهاب نحو نقد ما بعد الحداثة على أسس دينية إسلامية دون الدخول الكامل في الحداثة.
نتحدث عن انهيار الحضارة الغربية بتوسّل أدبيات نقد ما بعد الحداثة، بينما شروطنا الحالية سابقة على الحداثة وقيودها وتفاعلاتها.
الفرد العصبوِيّ المؤمن بصلاحية التاريخ اللامنتهية وما قبل العقلاني يجلد الفردانية ويسحق حلاوتها قبل أن يذوقها.
وثمّة وجهٌ آخر لوليد العولمة، يكمن في نوبة المحليات والعصبيات التي بلغت ذروتها، وخلطت إحساس الناس النافر من الانغلاق والتمذهب — بالطبع الناس ذوو العقول الكبيرة والصدور الرحبة والآفاق الإنسانية — وحق الخصوصية المحلية كآخر القلاع من رياح الاقتلاع. انتقل الفرد من النظر في نجوم السَحَر إلى فحص تغوير سُرّته. يتأملها ويلامسها كما يفعل القرد في أطرافه ثم يضع يده عليها ويضحك منتشياً أنه وجد نفسه.
تداعى الأمميون وضمروا وآلوا إلى كهف القرية.