حين يُحاصر الممثل بأدوار محددة
لا أظنني وحدي في هذا الشعور؛ كثير من الزملاء في مجال التمثيل ما زالوا عالقين في مساحة الانتظار، بانتظار أدوار تشبه طموحهم الفني لا صورتهم المتداولة.
أدوار تمنحهم فرصة حقيقية للاختبار، للاشتباك مع النص، وللذهاب إلى مناطق نفسية وإنسانية أكثر عمقاً، غير أن الواقع الإنتاجي قد يفرض مساراً مختلفاً، أكثر ضيقاً وأقل جرأة.
تعود جذور المشكلة ربما إلى طبيعة الإنتاج الدرامي الموسمي، فعمل واحد في السنة، غالباً مسلسل واحد أو حتى مسلسلين في بعض القنوات، يخلق ازدحاماً في الترشيحات، ويجعل الاختيارات محكومة بمنطق السرعة وضمان القبول الجماهيري، لا بمنطق البحث الفني.
في هذا السياق، يتحول الممثل إلى خيار محسوب، ويستبعد أي احتمال يحمل مخاطرة إبداعية، ويضاف إلى ذلك عامل الوقت القياسي للإنتاج. ضغط الجداول، وتسابق التسليم، يلغيان مساحة التجريب والبروفات العميقة، ويحدان من قدرة المخرج على استكشاف طاقات الممثل خارج الإطار المألوف، والنتيجة أعمال متشابهة، وشخصيات مكررة، وأداء محكوم بالتوقعات المسبقة.
مشكلة أخرى لا تقل أثراً، وهي حصر الممثل في شخصية واحدة دون منحه فرصة النقاش أو المفاضلة بين أكثر من دور، فيقدم له الدور وفق صورة ذهنية جاهزة، تتشكل من أعمال سابقة أو انطباعات عامة، فتُختزل قدراته في نمط محدد، ويتوقف التطور عند نقطة واحده.
أما الإشكالية الأعمق، فتتمثل في إسناد شخصيات قريبة من حياة الممثل وطبيعته الشخصية، وهذا التوجه يحرم التمثيل من جوهره الحقيقي، فالتمثيل فعل تحول، انتقال من الذات إلى الآخر، وبحث شاق في مناطق بعيدة، مركبة، تتطلب جهداً نفسياً وجسدياً، وتفتح مساحة واسعة للعب والتفكيك وإعادة البناء.
العائق لا يرتبط بندرة المواهب، ولا بضعف الممثلين، بل بمنظومة إنتاج تخشى المغامرة، وتفضل التكرار، وتتعامل مع الممثل كقالب جاهز لا كطاقة قابلة للتحول، وما دام هذا التفكير قائماً، ستظل أدوار الأحلام مؤجلة، وسيبقى كثير من الممثلين أسرى صور لم يختاروها، وأدوار لا تمثل ذروة ما يستطيعون تقديمه.